في أغسطس 1989 انعقد في تونس اجتماع للمؤتمر العام لفصيل «فتح» ـ أي القاعدة الشعبية التنظيمية للفصيل ـ والذي يتكون من 1290 عضوا. كان الاجتماع الأول من نوعه منذ تسع سنوات.. وكان صاخبا وغاضبا على عرفات وكبار مساعديه في القيادة العليا.
من خلال عاصفة الغضب هوجم الأسلوب الاستبدادي لعرفات والتنازلات التي عرضها على الولايات المتحدة وإسرائيل دون أي مقابل. وأيضا الفساد المالي الذي صار العلامة المميزة الكبرى لقيادة التنظيم.وعند نهاية الاجتماع رفضت أغلبية الأعضاء أسماء عدة شخصيات من الذين رشحهم عرفات لتولي مناصب تنظيمية عليا.
الآن يشرع قادة فتح في إبتدار معارك دستورية باسم الديمقراطية ضد حركة «حماس» منذ فوز الحركة الإسلامية في انتخابات المجلس التشريعي.. عوضا عن تطبيق الديمقراطية في المؤسسات الفتحاوية وفي مقدمتها المؤتمر العام.
اجتماع تونس الصاخب كان آخر اجتماع للمؤتمر العام.. بمعنى ان القاعدة الشعبية التنظيمية للفصيل تظل معطلة لمدى 17 عاما حتى الآن.. ودون ان تجرى انتخابات جديدة.. مما ينسحب أيضا على «المجلس الثوري».
ان قيام قيادة فتح بتقديم طعن قانوني إلى المحكمة العليا بأن المجلس التشريعي الجديد الذي تسيطر حماس على عضويته غير مؤهل لإلغاء قرارات صدرت عن المجلس السابق الذي كانت فتح تحتكر عضويته هو في الحقيقة الحلقة الأولى في مسلسل فتحاوي لإقحام حماس في مشاجرات دستورية لصرف المجلس التشريعي الجديد عن أمهات القضايا.
ويبدو أن مخطط فتح يرمي عند نهاية المطاف إلى إيجاد تعقيدات دستورية ينشأ عنها قرار نهائي بحل البرلمان المنتخب والدعوة إلى انتخابات جديدة يصدر إما عن قضاة يعينهم زعيم فتح ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس أو عن عباس نفسه.
وهناك تفسيران لهذا المسلك.أولاً يريد قادة فتح تفادي فتح ملف الفساد بمبادرة من المجلس التشريعي تنبثق عنها لجان تحقيق علما بأن رموز التنظيم كانوا ولايزالون يتصرفون كرجال أعمال أكثر منهم رجال سياسة.
ثانيا: يريدون تغطية فشل سياسة السلطة الفلسطينية في التعامل مع ملف الاحتلال عن طريق السعي الحثيث إلى إفشال حكومة حماس المرتقبة بكل ما يتاح من وسائل. لقد انتهت هذه السياسة إلى إفلاس..
فبينما أغلقت إسرائيل باب التفاوض السلمي نهائيا واتجهت نحو تطبيق مخططها الأحادي على الأرض فإن قيادة السلطة الفلسطينية باتت عاجزة عن تقديم أي نهج بديل لمواجهة الاحتلال. فهي ترفض بعناد أسلوب الانتفاضة والمقاومة المسلحة. وبذلك بلغت قضية المصير الفلسطيني طريقاً مسدوداً.
لهذا نعرف لماذا صوتت الغالبية العظمى لجمهور الناخبين الفلسطينيين لمرشحي حماس، ولهذا أيضا نعلم لماذا عبرت القيادات الإسرائيلية والأميركية علنا عن أسفها للخسران الانتخابي الذي منيت به فتح.
ما بعد الخسران الانتخابي هو الهاجس الذي يؤرق قادة فتح الآن، فقد طلب رئيس المجلس التشريعي الجديد من جميع النواب تقديم كشوفات بما لديهم من أموال هم وزوجاتهم وأبناؤهم.
ولننتظر ما تأتي به الأيام.