في خضم النقاش حول التعاطي مع الضغوط التي يواجهها الشعب الفلسطيني، يفرط البعض في الدعوة لقبول الاتفاقات الموقعة ومن بينها أوسلو.وفي إطار شرح مزايا هذه الاتفاقات يذكر البعض أن أوسلو أتاحت قيام أول سلطة فلسطينية، وعودة أعداد من الأخوة العائدين، وتولي الفلسطينيين شؤون حياتهم اليومية، وتحول الاحتلال في بعض الجزر الجغرافية إلى احتلال متقطع بدل أن يكون متواصلاً وغير ذلك.
والواقع أن هذه الإنجازات قد تمت ليس بفضل أوسلو بل بسبب النضال الوطني الفلسطيني وتضحياته وبسبب وصول الإسرائيليين بعد الانتفاضة الأولى إلى وضع لم يعودوا يستطيعون معه السيطرة بالطرق المباشرة السابقة، وبعد أن تحول الوجود الديموغرافي الفلسطيني إلى بركان من المقاومة والكفاح وبأساليب شعبية سلمية عرت وجه إسرائيل والاحتلال أمام العالم.
أما أوسلو، فقد كانت أحد أسباب منع وصول هذه التضحيات والنضالات إلى إنجازها الحقيقي والكامل وهو اندحار الاحتلال والاستيطان وقيام دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة.وأوسلو كانت السبب في اتفاقية باريس الاقتصادية الظالمة والمجحفة والتي جعلت الاقتصاد الفلسطيني أسيراً للإملاءات الإسرائيلية.
وأوسلو كانت السبب في إعطاء إسرائيل فسحة طويلة دون أن تنهي احتلالها، ودون أن توقف الاستيطان الذي استفحل حتى وصل إلى مشروع شارون ـ اولمرت الحالي لتكريس الاستيلاء على حوالي نصف الضفة الغربية بما فيها القدس والأغوار ومناطق الاستيطان.
وأوسلو هي التي اضطرت الشعب الفلسطيني إلى خوض انتفاضة ثانية وقد تضطره إلى خوض ثالثة إن لم يجد العالم وسيلة لإقناع إسرائيل قبل فوات الأوان بقبول قيام دولة فلسطينية مستقلة حرة كاملة السيادة على كامل الأراضي المحتلة عام 1967.وأوسلو هي التي خلقت الهوة بين أبناء الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، اقتضى ردمها، وما زال يقتضي تضحيات كثيرة وجهوداً هائلة.
هل كان هناك بديل لأوسلو؟ بالتأكيد، البديل كان التمسك بالشرعية والقانون الدولي، ورفض الاتفاقات الجزئية والانتقالية والإصرار على حل شامل، ورفض توقيع الاتفاقية قبل وقف كل نشاط استيطاني على الأقل.
البديل كان عدم الوقوع في أوهام وإغراءات السلطة، كما لو أنها كاملة السيادة، وليست مجرد ترتيبات محدودة في ظل استمرار الاحتلال، والبديل كان التركيز على بناء إنتاج وطني مقاوم وليس اقتصاداً محكوماً بالاعتماد على المساعدات الأجنبية، بسبب تضخم جهازه الوظيفي وهدر موارده.
أوسلو كانت اجتهاداً خاطئاً، ولذلك ليس خطأ أن نفكر في تجاوزها، فهي ليست قدراً أبدياً، خصوصاً أن الجانب الإسرائيلي قد مزقها وتجاوزها وأدار الظهر لها، منذ انتخب حكومة الليكود عام 1996.
ولن يضير صورتنا أن نقول للعالم بالفم الملآن ما هي شروطنا نحن الفلسطينيين للسلام الذي نريده بكل جوارحنا. سلام يقوم على إنهاء كامل للاحتلال وقيام دولة فلسطينية كاملة السيادة بعاصمتها القدس ومن دون مستوطنات ومن دون جدار ومن دون نظام التمييز العنصري الذي أرساه الإسرائيليون على الأرض.
سلام يقوم على احترام حقوق الشعب الفلسطيني بما في ذلك حقوق لاجئيه. سلام يقوم على التكافؤ ويستند للقانون الدولي، وينفذ أهم قرارات القضاء الدولي، قرار محكمة لاهاي ضد جدار الفصل العنصري.
وهو قرار حدد بأقوى النصوص القانونية عدم شرعية كل المستوطنات، وإجراءات تهويد القدس ولذلك فإن أول إجراء للحكومة الفلسطينية الجديدة يجب أن يكون حمل ملف لاهاي إلى الأمم المتحدة ومطالبتها بوضعه موضع التنفيذ.
اليوم لدينا نظام ديمقراطي، ومرجعية شعبية وإسرائيل يجب أن تفهم أن كل اتفاق من اليوم فصاعداً سيعرض على المرجعية الشعبية الفلسطينية إما انتخاباً أو استفتاء وإذا أرادت السلام فلتتفضل بالجلوس إلى طاولة المفاوضات في إطار الشرعية والقانون الدولي والتكافؤ ولتقبل بعقد مؤتمر دولي لمعالجة قضايا الحل النهائي.
اليوم، ونحن نسير بأقدامنا على أرض الواقع بكل تفاصيله، واقع لا يمكن لأحد أن ينكر وجوده بما فيه من اتفاقات وترتيبات سابقة، علينا أن نثبت أنظارنا على المستقبل ومهامه وأن نتوقف عن الالتفات للوراء.أوسلو صارت وراءنا، أما الدولة المستقلة والحرية والكرامة فإنها أمامنا.
الأمين العام للمبادرة الوطنية الفلسطينية