من تابع تناول الصحافة العربية بعامة والسعودية بخاصة لندوة «التعليم ودوره في ثقافة الإصلاح» التي عُقدت يوم الخميس، الثاني من الشهر الجاري، على هامش فعاليات معرض الرياض الدولي للكتاب، يستشعر عداء شديداً قائماً بين الإسلاميين من جانب والليبراليين من جانب آخر. وهو الأمر الذي استدعى وجوداً كثيفاً من قبل رجال الأمن لفض أية اشتباكات يمكن أن تحدث بين الطرفين.

ولم يكن هذا الوجود المكثف من قبل رجال الأمن محض صدفة، لكنه جاء بناء على ما حدث في ندوة سابقة ضمن فعاليات المعرض نفسه هاجم فيها من وُصفوا بأنهم متشددون إسلاميون وزير الإعلام السعودي السابق، إضافة إلى التطاول والشتم لشخصيات ثقافية أخرى من الحضور. وهو المشهد نفسه الذي يكاد يتكرر بحرفيته في معظم الدول العربية، حيث يهاجم الإسلاميون الليبراليين، كما يهاجم الليبراليون الإسلاميين.

ماحدث في ندوة التعليم يثير السخرية والقلق في الوقت نفسه؛ فهو يثير السخرية من حيث أن الطرفين المختلفين سعوديان، يرتديان الجلباب نفسه، ويعتمران غطاء الرأس نفسه، ويتحدثان اللغة نفسها، وربما يمارسان العادات والتقاليد نفسها التي تربيا عليها، بل وربما ينتميان للقبيلة نفسها، وتجمع بينهما صلات قرابة ومصاهرة.

وهو يثير القلق من حيث حجم الشقاق والجفاء الحادث بينهما، بحيث يمكن القول بأن الليبرالي السعودي قد يجد سعادته وراحته في الحديث مع الأميركي أو الفرنسي ولا يجدها مع شقيقه الإسلامي، وربما قد يجد الإسلامي السعادة والراحة نفسها في الحديث مع الباكستاني الذي يسكن بيشاور ولا يجدها مع شقيقه الليبرالي.

ما الذي أوصل الشقاق والجفاء والحدة بين الإسلاميين والليبراليين في العالم العربي عموما إلى مثل هذه المستويات غير المسبوقة؟ ولماذا وصلت حالة الاتهامات بينهما إلى مثل هذا المستوى المخيف من الألفاظ التي تشمل الكفر والإلحاد والعمالة والانحلال والخيانة والجمود والتخلف والرجعية والإرهاب؟ ولماذا يعتقد كل طرف منهما بأنه يمتلك الحقيقة التي تؤهله لقيادة المجتمع، وتحديد سيناريوهات المستقبل؟

ومن البداية فإنه لا يمكن إنكار اختلاف المنطلقات الفكرية والتوجهات الأيديولوجية بين الطرفين. فالإسلاميون يرتكزون بدرجة أو بأخرى إلى أسس دينية، هاجسهم الأساسي هو تحقيق الفضيلة والأخلاق، حتى لو تم ذلك من خلال القسر والإكراه. في مقابل ذلك، يرتكز الليبراليون إلى مشروع حياتي، قوامه التغيير والعمل على ملاحقة العصر، حتى لو تم ذلك من خلال نقد المقدس وتمثل خطى الآخر الغربي.

عمّق تدخل الدولة في العالم العربي الصراع الدائر بين الطرفين، مرة ضد الليبراليين ومرات ضد الإسلاميين، من حدة الفجوة القائمة بينهما. وفي ظل الشعبية الجارفة التي يتمتع بها التيار الإسلامي من ناحية، وفي ظل مدى ضعف التيار الليبرالي من ناحية أخرى، زاد العداء بين الطرفين، خصوصاً في ظل الارتباط المتزايد بين الليبراليين وبين الدولة في العالم العربي.

ويلفت النظر هنا أنه كثيراً ما يفضل الليبراليون حكم الأنظمة العربية على الرغم من فساد وديكتاتورية الكثير منها، على حكم الإسلاميين. ولذلك فإن التهمة الجاهزة هنا من جانب الإسلاميين لليبراليين أنهم عملاء للأنظمة العربية، كما أنهم عملاء بالتبعية للأنظمة الغربية، وبشكلٍ خاص الولايات المتحدة الأميركية.

تدخل الدولة العربية غير المحايد حالة من انعدام الثقة بين الطرفين. فالتيار الإسلامي لم يعد يثق بالدولة رغم قبول أجنحة كثيرة منه التعامل معها، كما زادت عدم ثقته بالتيار الليبرالي، بسبب الضربات التي تلقاها من قبل الدولة بمساعدة الكثير من أجنحة هذا التيار.

وفي كلتا الحالتين استمرت الدولة وانتعشت على حساب هذا الصراع المنهك بين الطرفين. بل إنه يمكن القول، إن الدولة في العالم العربي كثيراً ما غذّت هذا الصراع بينهما، مستخدمة أجهزة الإعلام بدرجات متفاوتة في إثارة ضغينة طرف ضد طرف آخر.

ورغم ذلك فإن الدولة في العالم العربي قد قدمت نفسها على أنها طرف محايد يتدخل في أحيان من أجل الدفاع عن القيم الدينية والمثل والأخلاق، ويتدخل في أحيان أخرى من أجل الدفاع عن حريات الأفراد في التعبير عن أنفسهم وأفكارهم.

ورغم وعي كل من التيار الإسلامي والليبرالي بهذا الدور المزدوج للدولة، ورغم إدراك الكثير من عقلاء الفريقين بضرورة الإلتقاء والحوار، إلا أن واقع الأمور قد سار في طريق استحكام العداء بين الطرفين. ولم تكن الدولة فقط هى المسؤولة عن هذا الجفاء المتواصل بين الفريقين، فكل منهما يتحمل مسؤوليات كبيرة فيما آلت إليه الأوضاع الحالية في كثير من الدول العربية.

فالإسلاميون لم يتحلوا بالمرونة الكافية في التعامل مع التيارات الفكرية الأخرى، وأوصدوا باب قبول الآخر، بل يمكن القول انهم قبلوا الحوار الذي يفضي في النهاية إلى ما يؤمنون به من موقع امتلاكهم الفضيلة والأخلاق وزعمهم المتواصل صيانة المجتمع.

كما أن الليبراليين لم يتحلوا بالكياسة المطلوبة وهم ينقدون مجتمعاتهم ويمدحون الآخر الغربي، كما أنهم قد قبلوا الحوار بمنطق الإسلاميين نفسه من حيث امتلاكهم لجوهر التنوير وتجاوز المحلي الرجعي والمتخلف.

المعضلة الأساسية لكلا الطرفين أنهما يعتصمان بتوجهاتهما المسبقة، ويهجران متطلبات الواقع الاجتماعي وتحولاته التاريخية. وفي هذا السياق فإنهما يتجاهلان أن التنوع سمة إنسانية أوسع وأكثر تحرراً من أن يؤطرها البعض ضمن صيغ فكرية وأيديولوجية مهما تسامت هذه الأطر ومهما بلغت درجة قداستها.

فالمجتمعات العربية في حاجة إلى الإسلاميين وفي حاجة إلى الليبراليين، وفي أمس الحاجة للحوار الخلاق فيما بينهما. ذلك الحوار القائم على الإيمان المسبق بالإنتماء للمكان واللغة والعادات والتقاليد والمشاعر نفسها. ومن دون هذا الإتفاق المسبق فيما بين الطرفين فإنه لن يمكن تجسير الفجوة بينهما، وستظل الدولة العربية هي الفاعل الوحيد المستفيد من هذا الشقاق.

كاتب مصري