مصائب ومآسي العراق صارت عصيّة على الوصف والإحصاء. صنوفها فريدة. وتيرتها جنونية. قساوتها وفظائعها مفجعة. الصراعات المتناسلة عن بعضها، التي استبدت به دوامتها القائلة، تبدو وكأنها بلا حدود. منذ وقوعه تحت الاحتلال، تحوّل البلد إلى ساحة مباحة للتخريب والتدمير بشتى الوسائل والأسلحة.
حروب صغيرة وعمليات انتحارية وخطف وقطع أعناق على الهوية، وقصف أعمار عشوائي، ناهيك عن الاغتيالات وتصفية الحسابات. ساحة تشهد ضروب الفجائع وسفك الدماء كافة.شلال موت متواصل منذ ثلاث سنوات. آخر مبتكراته التصفيات بالرزمة على أيدي ما يسمى ب«فرق الموت» المتجولة.
وكأن العراق لا يكفيه ما هو منكوب به، من فنون القتل والنزف المجاني الذي يهدّه ويكاد يقضي على ما بقي لديه من أمل وقدرة على الحياة، حتى تنزل عليه هذه الظاهرة المرعبة، لتزيد من معاناته وأوجاعه.
والمخيف أنها ظاهرة متنامية ومنتشرة، وضحاياها في ازدياد. آخر رقم كان بالأمس 18 جثة عثر عليها في حافلة صغيرة، قرب بغداد. ثم عثر على 6 جثث في أماكن عدة في بغداد أيضاً. ولكي تحقق مثل هذه الفظائع أغراضها في الترويع من جهة، وفي الاستدراج للانتقام، من جهة ثانية، فقد حرصت «فرق الموت» على التنكيل بضحاياها وتنويع أساليب القتل من خنق وشنق وإطلاق نار على الرأس، ومن دون تمييز، إذ شملت وجبة الموت مدنيين من الأعمار كافة.
تكرار مثل هذه الوجبات يشير إلى أن المسألة أبعد ما تكون عن الصدفة. تحويلها إلى نمط ينطوي على توجه بالتصعيد والتأجيج، التصعيد يستهدف، على ما يبدو، إرباك وتعقيد المشهد السياسي، المأزوم أصلاً، ومنعه من صياغة تفاهم حدّ أدنى يمكن أن تنهض عليه حكومة وحدة وطنية، طال انتظارها.
والتأجيج، يرمي إلى استثارة ردود مماثلة، تكفل إدخال الوضع بدائرة مقفلة من الثأر المتبادل والمنفلت، تتوافر معه شروط حرب أهلية مريرة.وليس صدفة أن يكثر الحديث وتتردد التحذيرات في الآونة الأخيرة، من احتمال بلوغ الوضع العراقي هذه النقطة وسقوطه في براثن الفتنة المدمّرة.
وما يزيد من مثل هذه المخاوف أنه، في حين تتسارع وتيرة التدهور ويتسع مدى الانفلات الأمني ليأخذ هذا المنحى الخطير، يبدو أن الوضع السياسي في المقابل أكثر تأزماً وابتعاداً عن التفاهم والتسويه، الأمر الذي يشكل أرضية خصبة للقوى العاملة على رفع منسوب الاحتقانات المذهبية والاثنية والسياسية، وبما يجعل الساحة أكثر ملاءمة ل«فرق الموت»، وأمثالها، كي تمعن في دفع البلد إلى الهاوية.
إذا كان الأمر كذلك فإن مسؤولية الأطراف والقوى السياسية العراقية كافة، تتضاعف وتصبح مطالبة أكثر بالتحرك الفاعل والسريع، لقطع الطريق على مثل هذا التوجه الجهنمي والبدء في بناء البديل، للانعطاف بالعراق ووضعه على السكّة المقابلة.
إن العراق اليوم لفي سباق بين اللملمة والإمعان في التفتيت. الأولى مدخل إجباري لاستعادة وحدته وركائزه كوطن. الثاني، محكوم، لو تواصل، ببلوغ دائرة الانفجار فالانهيار.وحسبنا وأملنا أن يكون الأخير خطة حظه معدوم في خيارات العراقيين، وأن ينتصر العراق الموحد في كل مشكلاته.