زيارة الرئيس بوش لآسيا، صنعت تحالفات، ونقضت صداقات، خاصة حين أدار ظهره لباكستان، ووضع ثقله مع الهند، وهو أمر طبيعي من ناحية تقلبات سياسات الدول العظمى، والتي لا يمكن ثباتها على مبدأ أو اتجاه، إذ أن استراتيجية بوش جاءت على حساب باكستان، والتي كان مردوده لها مجرد إعطاء دروس ومطالبات بأن تكون صادقة، وجادة في مكافحة الإرهاب..
بصرف النظر عن أن التقارب الهندي - الأميركي يأتي كحائط صد أمام تنامي العملاق الصيني، إلا أن مجريات الأحداث قد تتغير، وخاصة داخل أفغانستان التي تعتبر الحاضن الأكبر لطالبان والمؤسّسة للقاعدة..
الاحتمالات تطرح عودة أفغانستان لواجهة الأحداث كطرف في صراع جديد، أي أن التقارير تقول إن انفلاتاً أمنياً بدأ يأخذ شكل الفوضى، وأن طالبان بدأت تأخذ مواقع جديدة قد تعيد قوتها من جديد، والاحتمالات أيضاً قد تدفع جارين لها، باكستان، وإيران أن يدخلا اللعبة مُجبرين نتيجة تصاعد حدة الصراع..
فباكستان، المحبطة من أميركا، لا تريد أن تقوم بدور عسكري طويل يكلفها مداخيلها، المتواضعة أصلاً، لتقوم بالنيابة عن أميركا، بدخول مجاهل القاعدة، وطالبان لضربهما، أو إبعادهما عن حدودها، وهي التي تفهم تشابك العلاقات المعقدة في التشكيلات الاجتماعية الأفغانية وتداخلها مع التركيبة السكانية الباكستانية، والنتيجة إغفال تام عن أي دعم أميركي، لتحوم الشكوك أن محاولات دفع باكستان إلى حروب طويلة، جزءٌ من استراتيجية إضعافها لتسود الفوضى في داخلها، لتضع في المستقبل طالبان في مواجهة أميركا من جديد..
إيران، سبق وأن اكتوت بنيران طالبان، وهي لا تريد عودة تلك الحالة إلى حدودها أو توظيف قوى تصل إليها لتخلق مآزق جديدة، وقد تكون خطواتها دفع الشر قبل وقوعه، أي يصبح تدخلها انتقائياً بمساعدة أطراف تكره أميركا ولا تنتسب لطالبان، وفي أجواء أفغانستان يمكن عقد الصفقات بسهولة، وقد تكون الغاية الإيرانية أن دفع عجلة الفوضى في عمق جارتها، سوف يضاعف المشاكل مع أميركا نفسها، وبهذا تحقق إيران أكثر من مكسب وتصبح بيدها، أكثر من ورقة تساوم عليها، سواء تعلق الأمر بسلاحها النووي، أو قضايا الطرق، وسلامة أمن أفغانستان..
باكستان، وإيران لا يمكن لأميركا تجاوزهما بعقد صفقات تهدد أمنهما، وحتى الهند اللاعب القادم في الساحة الآسيوية، ليس من مصلحتها مقايضة المنحة الأميركية، برفض وصول الغاز الإيراني لها، وبالتالي فهي أيضاً تدخل العراك من باب مختلف، أي أنها تريد تحقيق مكاسب من كلا الطرفين، دون أن تُغضب أياً منهما، والحصيلة أنها المستفيد من انحسار التحالف الباكستاني - الأميركي، وبقاء صديق إيراني يحتاج لها، وتبقى الباكستان هي الخاسر الأكبر في خصومات الجيران لكنها لن تكون معزولة عن الحدث، أو التأثير فيه..