ان تأتي صحوة ايهود اولمرت رئيس الوزراء الاسرائيلي بالانابة، الذي ترشحه استطلاعات الرأي - ان صدقت - لترؤس حكومة ما بعد الانتخابات الاسرائيلية المقبلة، ان تأتي هذه الصحوة متأخرة، افضل من ان لا تأتي ابدا، والمقصود بالصحوة هو ادراكه بان مليارات الدولارات التي تبدد هباء على اقامة المستوطنات في الاراضي الفلسطينية ودعم المستوطنين انما تضيع في الاساس على الشعب الاسرائيلي الذي تعيش قطاعات كبيرة منه تحت خط الفقر، وتعاني القطاعات ذاتها، او غيرها من نقص الخدمات الصحية والاجتماعية والتعليمية داخل الخط الاخضر.
كان من الافضل دونما ريب لو ان عشرات المليارات ان لم يكن مئات المليارات من الدولارات التي اهدرت على بناء المستوطنات منذ اربعة عقود وحتى يومنا هذا كان من الافضل ان تنفق على تحسين الظروف المعيشية للاسرائيليين يهودا او عربا، وعلى رفع مستوى البنى التحتية الخدماتية والانتاجية وليس على بناء مستوطنات مصيرها التفكيك والازالة مهما طال الزمن لانها بنيت على ارض محتلة، بعد مصادرتها من اصحابها بالقوة ورغما عن اراداتهم.
هذه الصحوة المتأخرة وبعد اهدار مبالغ فلكية من الاموال على اقامة المستوطنات وتزويدها بالمرافق الحديثة وتشجيع المستوطنين على الاقامة فيها بالاغراءات المادية والمعنوية المختلفة ليتها حدثت قبل ان تنتشر المستوطنات في الاراضي الفلسطينية انتشار النار في الهشيم، وقبل ان تتحول اوهام ارض اسرائيل الكبرى المزعومة الى عقائد راسخة في اذهان المتطرفين من المستوطنين وانصارهم تدفع بهم الى مواجهة الحكومة الاسرائيلية وقواها الامنية وكأنهم ورثوا الارض وما عليها من مبان ومنشآت استيطانية ابا عن جد وكابرا عن كابر.
والخطأ الفادح الذي يقع فيه اولمرت واركان حزبه »كاديما« ومن سار على نهجه من الزعماء السياسيين في اسرائيل هو الاعتقاد بان في امكانهم الاحتفاظ بما يسمونه الكتل الاستيطانية الكبرى في الضفة لغربية مثل »اريئيل« و»غوش عتصيون« و»معاليه ادوميم« والتمتع في الوقت ذاته بالامن والاستقرار، وكأنهم لم يسطوا على مساحة واسعة من الاراضي الفلسطينية او كأن هذا الاستيلاء غير الشرعي المرفوض فلسطينيا ودوليا يعطيهم الحق في ضم هذه المستوطنات الى اسرائيل.
وعلى هؤلاء الزعماء ان يدركوا ان امامهم خيارين لا ثالث لهما: فاما ركوب رؤوسهم والتصميم على التوسع الاستيطاني، في اطار ما يسمونه بالخطوات احادية الجانب ومواجهة ما يترتب عن هذا النهج المتهور من عواقب على مستقبل العملية السلمية - او القبول بقرارات الشرعية الدولية والجلوس على مائدة المفاوضات مع الفلسطينيين لاعداد الترتيبات الفعالة لانهاء الاحتلال، وتصفية الاستيطان والاعتراف بالحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني وهذا هو السبيل الوحيد لاستتباب الامن وشيوع الاستقرار والتعايش السلمي بين شعوب المنطقة.