منذ اندلاع الحرب الأميركية على العراق قبل ثلاث سنوات ولا يزال السبب الحقيقي لهذه الحرب غير معروف أو محدد بشكل قاطع. فهناك نفط عراقي متواجد بكميات ضخمة .
وهو ثاني أكبر مخزون احتياطي في العالم بعد المملكة العربية السعودية، وبالتالي فإن النفط العراقي قد يكون سبباً أساسياً للحرب على العراق. أو قد تكون إسرائيل والجماعات الداعمة لها في واشنطن وراء الحرب الأميركية على العراق لما في تدمير العراق وشعبه وبنيته التحتية مصلحة إسرائيلية عليا على المديين القريب والبعيد.
أو قد يكون اليمين الأميركي المحافظ الجديد الذي يحكم الآن الولايات المتحدة هو السبب الأساسي وراء الحرب على العراق لأن طبيعة هذا اليمين السياسية والآيديولوجية تقوم على سياسة فرض السيطرة والهيمنة خارج حدود الولايات المتحدة وعادة ما يطلق عليهم «الدوليين» أو «إنترناشونالستس».
وبالتالي فإن العراق بموارده وموقعه الجيواستراتيجي المهم شكل نقطة غاية في الأهمية للسيطرة المباشرة على منطقة الخليج العربي أولاً والعالم الصناعي وعلى رأسه الصين ثانياً. أو قد تكون هذه الأسباب مجتمعة الحافز والمحفز للحرب الأميركية على العراق.
ولكن المؤكد فعلاً أن الرئيس جورج بوش وإدارته اليمينية لم تذهب للحرب على العراق واحتلاله وإسقاط نظامه بسبب امتلاك نظام صدام حسين لأسلحة الدمار الشامل أو قدرة هذا النظام المحاصر لأكثر من عقد من الزمن بتهديد جيرانه وتحديداً إسرائيل.
فقبل أسبوعين اتهم المسؤول القومي للاستخبارات عن منطقة الشرق الأدنى وجنوب آسيا في الفترة 2000 إلى 2005 بول بيلار في مقالة مطولة لصحيفة الواشنطن بوست الرئيس بوش بانتقاء المعلومات الاستخبارية عن العراق من أجل شرعنة قرار الحرب على العراق وهو قرار كان قد اتخذ مسبقاً وقبل وصول أي معلومات استخباراتية ومتجاهلاً أيضاً التحذيرات التي تقول ان الحرب ستقود العراق إلى الدمار والعنف والطائفية.
كما اعترف بيلار بأن وكالات الاستخبارات الأميركية أخطأت في معلوماتها بأن نظام صدام حسين كان يمتلك أسلحة دمار شامل، وأن إدارة الرئيس بوش أصرت على القيام بغزو العراق بالرغم من معرفتها بخلو العراق من هذه الأسلحة. وقال لصحيفة الواشنطن بوست بتاريخ 10/2/06 ان:
«المعلومات الاستخباراتية الرسمية حول برنامج تسليح العراق كانت خاطئة تماماً، وبالرغم من ذلك فإنها لم تكن السبب لشن الحرب...الحقيقة هي أن الإدارة الأميركية قررت الذهاب إلى الحرب بدون أن تطلب أي معلومات، وبشكل أدق بدون أن يكون قرار الحرب مرتكزاً ومعتمداً على معلومات وتقييم استخباراتي استراتيجي من الجهات العليا حول الوضع في العراق».
كما أوضح بيلار أن الإدارة الأميركية التي لم تعتمد على المعلومات الاستخباراتية الرسمية لصنع أهم القرارات الأمنية المتعلقة بالأمن القومي أساءت استخدام المعلومات الاستخباراتية إعلامياً لتبرير قرار الحرب الذي تم اتخاذه مسبقاً، وهذا الأمر أضر بالعلاقات بين الرئيس بوش وصانعي القرارات السياسية من جهة وبين مسؤولي الاستخبارات الأميركية من جهة أخرى، وأن عمل المؤسسات الاستخباراتية تم «تسييسه».
من جهته لم يعلق المسؤولون في البيت الأبيض على ما جاء في مقالة بيلار ولكنهم نفوا هذه الاتهامات وأكدوا أنهم لم «يسييسوا» المعلومات الاستخباراتية حول العراق.
ومع ذلك فإن أعضاء في الكونجرس الأميركي من الجمهوريين والديمقراطيين لا يزالون يبحثون عن الآليات المناسبة لدراسة الاتهامات ومعرفة الحقيقة حول اساءة استخدام المعلومات الاستخباراتية قبل الحرب.
وقد أكد بيلار أن إدارة الرئيس بوش «سيست المعلومات الاستخباراتية حول العراق بمهارة وبشكل واضح وبطرق مختلفة». وذكر أن عملية التسييس من قبل البيت الأبيض كانت تتم من خلال لجوء المسؤولين بتكرار طرح الأسئلة ذاتها على المسؤولين الأمنيين بهدف تضخيم المعلومات حول العراق وتوجيهها باتجاه الحرب.
كما أن الإدارة كانت باستمرار تطلب من المؤسسة الاستخباراتية بالكشف عن أي معلومات من شأنها أن تساهم في تعزيز الأجواء لشن الحرب على العراق، بما فيها أي معلومات تدين العراق بعلاقاته مع تنظيم القاعدة، وقد أمضت إدارة بوش وقتاً وجهداً كبيرين جداً في هذا المضمار.
هذا يأتي في الوقت الذي ضاعفت فيه المؤسسة الاستخباراتية الرسمية بتقديم معلومات وتحليلات مهمة حول العراق والتي دعت الإدارة الأميركية لتجنب الحرب، أو في حالة قررت الإدارة شن الحرب فعندها من الضروري أن يتم التحضير لمرحلة ما بعد الحرب التي توقعت المعلومات أنها ستكون صعبة جداً على جميع الأطراف.
كما أكدت هذه المعلومات أن العراق في مرحلة ما بعد الحرب لن يمتلك الأرض الخصبة لبناء نظام ديمقراطي حقيقي وسيحتاج إلى خطة مارشال جديدة لإعادة بناء اقتصاده بالرغم من وجود النفط في العراق. كما تنبأت المعلومات الاستخبارية قتالاً مريراً بين السنة والشيعة وبمنافسة حادة بينهما لاستلام السلطة.
وأن قوات الاحتلال في العراق ستعاني من هجومات عسكرية وحرب شوارع إذا ما فشلت في إرساء الأمن والاستقرار وتوفير اقتصاد مزدهر في خلال الأسابيع أو الشهور الأولى بعد سقوط نظام صدام حسين.
وقد ساهمت كثرة التساؤلات والطلبات والتصريحات العامة من قبل الرئيس ونائبه وبعض المسؤولين في إقناع المحللين والمسؤولين الأميركيين أن الولايات المتحدة كانت تتجه نحو الحرب على العراق حتى قبل مارس عام 2003.
وبالتالي فإنه كان واضحاً أن صانعي السياسة في واشنطن تجاهلوا أي معلومات أو تحليلات تشكك بشرعية أو أهلية قرار الحرب على العراق، وعلى العكس تماماً أيدوا ودعموا كل المعلومات التي دعمت قرار الحرب.
من هنا فإن بيلار أكد أن جميع المعلومات الاستخباراتية قبل الحرب كانت تؤكد أن غالبية الأراء في الولايات المتحدة وفي الأمم المتحدة والعالم كانت تدرك أن قدرات النظام العراقي التسليحية كانت تحت المراقبة الأممية المشددة وأن صدام حسين كان محاصراً داخل «الصندوق العراقي» بسبب الحصار الدولي.
وبناء عليه، فإن أفضل الطرق والسبل للتعامل مع صدام حسين ونظامه كان من خلال القيام بعمليات تفتيش مكثفة من قبل الأمم المتحدة ومواصلة الحصار عليه، وليس اللجوء لخيار الحل العسكري كما حصل.
وبناء على ما تم ذكره آنفاً، فإن قرار الحرب الذي اتخذته إدارة الرئيس بوش في مارس عام 2003 سيبقى دائماً عرضة للنقاش والاستفسار والبحث لا سيما .
وأنه تم تبنيه دونما توفر أرضية صلبة من الأدلة والمعلومات المؤكدة بأن العراق كان فعلاً مصدر تهديد وخطراً على الأمنين الإقليمي والدولي. إنه قرار صادر عن إدارة تجيد استخدام القوة للتغيير أو التبديل أو إحداث فوضى في هذا البلد أو ذاك.
وهذا أصبح مثبتاً خلال السنوات الستة الماضية. ولكن الثابت أيضاً أن هذه الإدارة لا تعرف الإعمار والتعمير. لذلك نرجو أن تمضي السنوات القليلة المقبلة بدون الاضطرار إلى اتخاذ قرارات مصيرية في أي منطقة في العالم وخصوصاً في منطقة الشرق الأوسط.
isam997@hotmail.com
كاتب وباحث سياسي