تسود البؤر الساخنة، من المشهد العربي الراهن، حالة أو بالأحرى مفارقة، تحمل على الخشية. ففي حين تستدعي أوضاعها الخطيرة تسريع الخطوات والحوارات المطلوبة لتبريد الأجواء ووضع قطار الخلاص على سكته الصحيحة، نرى أن العكس هو الحاصل.

كل شيء من هذا القبيل جرى تأجيله، مع أن أحدا، في هذه الساحات لا يملك ترف التعويل على عامل الزمن. فالأمور مستعجلة وتحت مراجلها، نار حامية. لكن بالرغم من ذلك تردد الأطراف المعنية كافة أن التأجيل ضروري من أجل التشاور وتكثيف الجهود!

هل الأمر كذلك أم أن وراء الأكمة ماوراءها من محاولة هروب إلى الأمام، إن لم يكن من انسداد ووصول إلى الحائط المسدود؟ ثم هل هو من باب الصدفة البحتة ان يتزامن تأجيل الملفات الملتهبة في ثلاث ساحات، تمر في حالة غليان؟ أم هو تزامن في الهروب إلى الأمام؟

ملف الحوار اللبناني، فجأة يتم الإعلان عن إغلاقه وترحيله إلى الأسبوع المقبل. اجتماعات المجلس التشريعي الفلسطيني يتقرر وقفها وتأجيلها لفترة أسبوعين. أيضاً، المجلس الوطني العراقي، يجري هو الآخر تأجيل افتتاحه لأسبوعين أو أكثر.

القاسم المشترك بينهما اصطدامهما بتعقيدات وشروط وحواجز، تعذر تذليلها؛ كما قيل، الأول حصل وقفه بصورة مباغتة. كان من المقرر ان يتواصل الحوار لمدة 7 إلى 10 أيام متوالية.

ذكروا ان حاجة المتحاورين للرجوع الى قياداتهم فرضت التعليق. لكن ألم يكن الحوار قد جرى أصلاً بين قياديين لبنانيين من «باب أولى» حتى تتوفر القدرة على البت داخل القاعة من دون الرجوع الى خارجها؟

الثاني، الفلسطيني، بالكاد بدأ دورته، والاستحقاق الحكومي على الباب، هل ما جرى قبل أيام في الجلسة الأولى للمجلس التشريعي وما كشف عنه من خلافات، سيكون عنوان العلاقة بين فتح وحماس؟ وهل كان رفع الجلسات لمدة أسبوعين هروباً الى الأمام ونسفاً لاحتمال تشكيل حكومة وحدة وطنية؟

وكذلك كان الحال بالنسبة للثالث العراقي الذي لجأ هو الآخر الى تدوير استحقاقاته السياسية، تحت تأثير عقدة رئاسة الحكومة المستحكمة فيه.

لكن هل يتكفل التأجيل في كل هذه الحالات بالعثور على وصفات الحلحلة، حتى لا نقول الحلّ؟ ربما. والأمل ان يكون الأمر كذلك. لكن ما يبدو مرجحاً هو ان هذه الساحات لم تكن قادرة لوحدها على التصدي لمشكلاتها والتغلب عليها.

المفقود كان الدور العربي الفعال، القادر على تغليب التقارب بين الخنادق كافة وتضييق شقة الفجوات بينها. صحيح أن هذه الساحات لم تصل الى حدّ الصدام المكشوف فيما بينها. لكن لجوءها الى ترحيل الخلافات هو أقرب الى طمر الرأس في الرمال.

والخطر هنا ان مثل هذا الهروب له حدود. ذلك أن مواجهة الواقع العنيد على الأرض أمر لا مفرّ منه. واذا كان المؤجلون غير جاهزين حتى اللحظة، كما ظهر للنهوض بمقتضيات مثل هذه المواجهة، فلا فكاك من سد النقص في هذه الجاهزية.

وفي ضوء الظروف والمعطيات القائمة: ليس هناك من يمكنه القيام بهذه المهمة غير الوضع العربي بالرغم من أعطابه المعروفة. فهل يفعل؟