بعد تقييد يدي المعتقل ورجليه بإحكام يقوم ضابط الأمن بإدخال مسمار طوله ست بوصات في ثقب إحدى أذنيه.. ومن ثم يتناول الضابط مطرقة فيدق على مؤخرة المسمار دقات متصلة الى ان يخترق المسمار تماماً القناة الدائرية للإذن مقتحماً الدماغ.. فتفيض روح المعتقل بعد صرخات جنونية متتابعة من فرط الألم الفظيع.

هذه لمحة سريعة من كتاب الصحافي الكندي مايكل ماكلير عن الحرب الأميركية في فيتنام عبر عقدي الستينات والسبعينات بعنوان «حرب العشرة آلاف يوم».

وعندما تطالع الفصل الخاص بتعذيب المعتقلين الفيتناميين على أيدي رجال الأمن والجيش الأميركيين فإن ذهنك ينتقل تلقائياً الى الحاضر صوب ما يروى عن ما يجري للمعتقلين العراقيين.

في مطلع الأسبوع صدر بيان عن «هيئة علماء المسلمين» في العراق يتحدث عن التشابه بين ما يجري للعراقيين اليوم وما جرى بين الفيتناميين بالأمس. وكأن هذا البيان كان على موعد مع تقرير نشرته «منظمة العفو الدولية» صدر ـ بمجرد المصادفة ـ بعد يوم واحد فقط من بيان الهيئة العراقية.

تقرير المنظمة الدولية يتحدث عن معتقلين عراقيين بعشرات الألوف تقول انه لايزال وضعهم «رهيباً» من حيث تعرضهم لألوان التعذيب البدني والنفسي مما يتطابق مع ما ورد في كتاب الصحافي الكندي بشأن الفيتناميين.

يقول مايكل ماكلير ان حمى الاعتقال والتعذيب في فيتنام بلغت ذروتها الهسيترية عند أواخر عقد الستينات حين ارتفع عدد المعتقلين الى 37 ألفاً أزهقت أرواحهم كلهم تقريباً. إما بسبب القتل العمد المباشر أو بسبب وطأة التعذيب.

وفي هذا السياق ينقل المؤلف عن جيف ستين ـ ضابط الاستخبارات العسكرية الذي استقال في ذلك الحين ـ قوله «لا أعرف أي معتقل لم يقتل أو لم يمت أثناء عملية استجواب».

استقالة ستين لم تكن الوحيدة من نوعها. فقد استقال فرانك سنيب من عمله كضابط في وكالة الاستخبارات المركزية في سايغون عاصمة فيتنام الجنوبية الواقعة آنذاك تحت الاحتلال الأميركي ليصبح بعد ذلك من أقوى منتقدي الوكالة.

ومن بين القصص التي رواها سنيب انه عندما كانت أعداد المعتقلين الفيتناميين تفيض عن مساحة السجن كان ضباط الوكالة يعمدون الى خفض الأعداد بواسطة القتل الجماعي.. فيقتل مثلاً ألف معتقل دفعة واحدة.

وكان هناك قتل جماعي من طراز آخر.. فيروي جون ستين انه كان أحياناً يبعث بتقرير استخباري يذكر فيه اسم شخصية فيتنامية ما يقول إنها شخصية «يشتبه في أنها من أخطر كوادر المقاومة الفيتنامية وان هذه الشخصية تقيم في قرية ما. وما ان تتلقى القيادة العليا للجيش الأميركي في سايغون التقرير حتى تأمر بغارة جوية تبيد أهل القرية أجمعين.

رغم هذه الوحشية انتهت القصة الفيتنامية الدامية الى انتصار المقاومة الوطنية بعد ان منيت الولايات المتحدة بأكبر هزيمة عسكرية في التاريخ المعاصر.

وفي هذا الصدد ينقل مايكل ماكلير عن استاذ القانون الدولي الأميركي ريتشارد فولك قوله إن فشل الولايات المتحدة خلال حرب فيتنام وما بعدها يتمثل في عجزها عن الالتزام بالمثل التي تطالب الآخرين بالالتزام بها.ولاشك ان مثل هذا الحكم ينطبق أيضا على الغزو الأميركي اللاأخلاقي للعراق.