تلقى الصحافيون عبر أرجاء الدنيا وأركانها الأربعة بمزيج من الذهول والصدمة خبر الحملة التى تشنها الإدارة الأميركية ضد مصادر المعلومات الصحافية في مختلف الهيئات والوزارات والوكالات الاستخباراتية، في محاولة مستميتة لتكميم أفواه الصحافيين.
ولإغلاق المنافذ التي يحصل منها المخبرون الصحافيون على المعلومات ، والتي تمكنهم من البقاء في ساحة النضال من أجل حق القارئ في المعرفة ،ولمواصلة الحرب ضد تزييف الواقع وتزوير رواياته لصالح السلطة القائمة والمنتفعين من فسادها.
الحملة الأميركية تجري في مناخ دولي معاد لحريات الصحافة، وأجواء تستعيد طقوس وممارسات الدول والأنظمة الشمولية، رغم ضجيج الحديث الصاخب عن ربيع الديمقراطية وبرامج نشر الديمقراطية وتغيير نظم الحكم والإصلاح من الخارج.
هذا التناقض بين الحديث المعلن عن الحريات والسلوك الفعلي المعادى لحرية الرأي، ولحق الصحافة في نشر الحقيقة يلخص أزمة الواقع الدولي الراهن، حيث نعيش ازدواجية مقيتة بين القول والعمل بين الممارسة والأفكار والشعارات، سواء تعلق الأمر بالفرد أو بالجماعة بنخبة حاكمة أو بحزب سياسي بجماعة خيرية أو جماعة تدعي الدفاع عن حقوق الإنسان.
دون هروب من القضية الرئيسية، نذكر بالحرب على العراق أو بحرب الإبادة المنظمة للشعب الفلسطيني ، حيث تتجسد حقيقة التناقض بين المعلن والممارس في أبشع صورة، في العراق، قيل ان الحرب هي حرب من أجل حرية العراقيين.
ولنشر الديمقراطية، ولإزاحة نظام تسلطي، لكن الواقع أظهر لنا انها حرب ذات أهداف بغيضة، ليست حرية العراقيين ضمنها بل هي حرب من أجل أجندة المحافظين الجدد الحالمين بإقامة نظام شرق أوسطى جديد، يستند إلى دول الطوائف والأقليات.
وجلبت هذه الحرب للعراقيين من المآسي والكوارث مالم يخطر لهم ببال فضلا عن فضائح التعذيب في سجون أبوغريب أو سجون وزير الداخلية جبر صولاغ!
في فلسطين تبدو المأساة نموذجية في عبثيتها، حيث يعتلي الإرهابي ومجرم الحرب منصة الحكم والقضاء ـ سواء كان ارييل شارون قبل ان يقعده المرض أو خلفه ايهود اولمرت- ، ويمزج بين انفجارات صواريخه التي تحصد أرواح الأبرياء .
وخطبه عن حربه «المدنسة» لاستئصال «الإرهابيين» ويبرر جرائمه وجداره العنصري بالرغبة في البحث عن شريك ديمقراطي، وعندما ينتخب الشعب حركة حماس، يبالغ في حربه وإرهابه ضد سلطة» إرهابية». وللأسف يسايره الغرب في عبثه.
عودة لقضيتنا الأصلية ، نرى ان الحملة الأميركية ضد مصادر التسريبات الصحافية في أوساط المخابرات ووزارة الدفاع، لا تنفصل عن السياق العام لسلوك الإدارة الحالية ومن يشايعها من حكومات أوروبية، فالهدف هو منع العالم من معرفة حقيقة ما يجري فعلا .
وما يخططون لهذه الدنيا من حروب مجنونة وصراعات تكدس الثروات في خزائن تجار السلاح، وتبقى الشعوب المقهورة حبيسة مصير البؤس عاجزة عن تطوير نفسها أو تنفيذ مشاريع تنمية تحقق لها الاكتفاء وتخلصها من قيود التبعية.
قصة الحملة الأميركية ضد مصادر التسريبات في وكالة المخابرات المركزية» السي آي إيه» أو غيرها من الهيئات، بلغت درجة فحص ملفات كل موظفي هذه الوكالات.
وتوجيه تحذيرات رسمية عبر وزارة العدل تبلغهم بحظر إجرائهم أي اتصالات مع الصحافة، او الكشف عن المعلومات المصنفة «سرية» وكلها تتعلق بقضايا الانتهاكات في سجون خليج جوانتانامو أو في العراق أو ملفات الحرب.
حيث نجحت مجلة «نيويوركر» في فضح ملف أبو غريب كاملا بخبطة صحافية لكبير محرريها سيمور هيرش، كما كشفت ( نيوزويك) فضيحة تدنيس الجنود الأميركيين للمصحف الشريف والقائه في المراحيض، وللأسف لم تهب تظاهرات إسلامية دفاعا عن القرآن!
حملة تكميم أفواه الصحافة في الولايات المتحدة ستجد من يسعد بها في عالمنا العربي من أعداء حرية الصحافة وهم ليسوا للأسف من خارج الجماعة الصحافية بل بعضهم من داخلها،.
ويتكفلون بالدور الأسوأ في الحملة، بتبرير حبس الصحافيين، والقيام بمهمة بوق مجاني أو مدفوع الأجر لكل من يريد اغتيال حرية الصحافة.
وعلى سبيل التذكرة، نشير إلى الجدل الدائر في مصر الآن حول إلغاء عقوبة الحبس في قضايا النشر، بعد ان بلغ عدد القضايا المرفوعة ضد الصحافيين ألفى قضية، وفقا لإحصاء محامى نقابة الصحافيين المصريين.