في مطالع القرن العشرين، وفيما كان العالم يضج بالآمال والأحلام والمشاريع الكبرى، جرت النظرة إلى الحركة النسوية بوضعها إحدى روافع المجتمع الجديد المنشود الذي يحقق الحرية والكرامة والتكافؤ لأفراده من الجنسين.
كانت الناس تنتقم من قرون القمع والاضطهاد والكبت الطويلة وتتوق إلى مرافئ السعادة والعدالة والانعتاق، حينها إنبثقت فكرة إختيار عيد المرأة العالمي، الثامن من مارس كل عام، فسحة للتأكيد على حقوق المرأة التي أهدرت عبر التاريخ.. وهذا العيد الذي بدأ بدلالات سياسية مباشرة، سرعان ما إكتسب مغازيه الانسانية العميقة كيوم للإحتفاء بالمرأة كرديفٍ للحب والجمال والحنان والأمومة والفضاءات العذبة.
تغيرت أشياء كثيرة في هذا العالم، وضاقت فسح الحرية، وفيما الغرب يعد تلك المرحلة جزءاً من حداثته المنجزة التى تجاوزها لما بعد الحداثة التى تطرح قضايا وهموماً من نوع جديد مغاير، فان عالمنا العربي ولج مرحلة جديدة تشكل في جوهرها تراجعاً حتى عن قيم التحديث نفسها.
وأشد ما تظهر فيه معالم هذا الأفول هي العلاقة مع قضية المرأة التى كانت منذ عقود قليلة مضت محكاً أو معياراً لجدية نهج التحديث نفسه، سواء في إطار الحكومات أو في إطار المؤسسات الأهلية أو حتى في الحياة الشخصية وأنماط السلوك الاجتماعي، فاشتدت الضغوط على المرأة كانسانة وعلى الحركة النسوية، موقفاً ورؤية.
وحتى مريدو التحديث أصبحوا أميل إلى التوفيق منهم إلى الجرأة والوضوح والصراحة فيما يتصل بهذا الجانب تحديداً، بالصورة التى يبدو فيها خطاب رفاعة الطهطاوي في القرن التاسع عشر يوم وصف حال النساء في مصر بأنه بطالة معممة، أو خطاب القاضي قاسم أمين أكثر جرأة ووضوحاً وشجاعة..
وإذ تبدو الدولة العربية إجمالاً خجولة ومترددة في العلاقة مع حقوق المرأة، خاصة في ميدان الأحوال الشخصية، إذا ما إستثنينا حالات نادرة كحالة تونس مثلاً، فان بعض التيارات الفكرية والاجتماعية عوضاً عن أن تتوجه نحو معالجة القضايا الجوهرية المتصلة بالتنمية وبالحقوق السياسية، توجه جهدها الأكبر نحو مصادرة الهامش المتواضع من الحرية والحقوق التى انتزعتها المرأة لتفرض إرهاباً ورعباً أين منه إرهاب الحكومات، وتخنق منجزات اللحظة الليبرالية، كما يصفها غسان سلامة والتى عرفتها بلداننا العربية في بداية تشكل الدولة الحديثة..
وإذ ننساق فرادى أو جماعات نحو هذا الحجر على المرأة كإنسان وحقوق فاننا ندفع مجتمعاتنا الى هاوية الضلال والجاهلية والكلام بحيث نفقد ما تبقى لدينا من فسح ضئيلة للنور.
تُعنون النسوية المرموقة فاطمة المرنيسي أحد فصول كتابها القيم »الخوف من الحداثة« بعنوان شديد الدلالة هو: »نشيد النساء: نحو الحرية«، وفيه تذهب الى ان النساء متلهفات للغوص في المغامرة والمجهول، ورمز ذلك التلهف تلك الأم الفلسطينية الشجاعة التى نشاهدها يومياً على الشاشات تقف مرعوبة تجاه الجنود الاسرائيليين، وتذهب فيه أيضاً الى »ان النساء العربيات لا يخشين الحداثة لأنها فرصة منتظرة لبناء شيء آخر«.
انهن متلهفات للرسو على تلك الشطآن الجديدة، حيث الحرية ممكنة، فطوال قرون كن ينشدنها وهن سجينات، لكن لم يكن أحد يصغي وفي بلادنا كسبت الحركة النسائية رهاناً آخر جديداً حين إنتزعت حقاً باشهار إتحادها وأمامها طريق طويل لبناء هذا الاتحاد، وتحويله الى مرتكز أساسي من مرتكزات النضال في سبيل نيل حقوق المرأة وفي مقدمتها الحق في إقرار قانون عصري للأحوال الشخصية ينهي المظالم الكثيرة بحق النساء، ويفتح أمامهن آفاق أرحب لحياة أفضل من هذه التي يعشنها الآن.. وبالتأكيد فان يوماً واحداً للمرأة لا يكفي.. انه ليس سوى فرصة للتوكيد على ان قضيتها قضية كل الأوقات.