نأمل ان لا يكون ذهاب المتحاورين اللبنانيين حول الطاولة المستديرة لاستشارة «مرجعياتهم» بمثابة نعي لمؤتمر الحوار الذي اثار موجة عالية من التفاؤل ورفع من سقف التوقعات الشعبية اللبنانية والعربية والثقة في قدرة اللبنانيين على تكريس نهج الوفاق والتوافق والارتقاء بصيغة العيش المشترك على نحو يحول دون اقصاء او استئصال اي فئة او شريحة او حزب او طائفة لبنانية كما وفي الان نفسه الحؤول دون هيمنة او تفرد فئة او حزب او شريحة او طائفة على الاخرين والتي اثبتت المعادلة والتجربة اللبنانية منذ ستة عقود حتى الان صحة هذا الاستنتاج على نحو كان حوار الطاولة المستديرة ترجمة لهذه القناعات.
ولعل ما منح الحوار الذي بدأ قبل اربعة ايام الاهمية والقيمة وسلط عليه الاضواء واخضعه للمتابعة والتحليل والقراءة المستفيضة من قبل دوائر سياسية ودبلوماسية واعلامية وحزبية لبنانية وعربية كما اقليمية ودولية هي الصيغة التي التقى عليها «الفرقاء» اللبنانيون وجدول الاعمال المفتوح الذي اتفقوا عليه وقبل كل شيء انهم تحاوروا كلبنانيين وجلسوا وحدهم على «الطاولة وجها لوجه» لاول مرة بعيدا عن اية وساطة وصاية او تدخل عربي او خارجي ما زاد من القناعة بان اللبنانيين قد استوعبوا دروس الماضي وحسموا خياراتهم بالاقرار بأن لا وطن لهم غير لبنان وان لبنان لكل ابنائه ولكل طوائفه ولكل شرائح شعبه وفئاته بعيدا عن عقلية الثأر او الاستئثار وبعيدا عن التهديد بالقتل او الالغاء او الاستعانة «بالخارجي» ايا كانت صفته وايا كان دوره وموقعه الدولي او الاقليمي.
لم يعد مقبولا ان ينفرد طرف او حزب بتقرير مصير لبنان بمفرده ومستقبل الوطن اللبناني يقرره ابناؤه وحدهم وعبارة «الحوار صنع في لبنان» يجب ان يحملها الجميع ويضعها في مقدمة برامجه واهتماماته ومسعاه اليومي والا فان الاكلاف والاثمان الباهظة سيدفعها اللبنانيون جميعا ولن يكون احد بمنجاة من هذه الاستحقاقات حتى لو استطاع اليوم ان ينسج شبكة حماية اقليمية او دولية لن تكون في كل الاحوال ضمانة للمستقبل لان «الدنيا» مصالح ولان لا صداقات دائمة او عداوات دائمة في السياسة والمشهد اللبناني طوال العقود الثلاثة الاخيرة خير دليل على ذلك ولا يوجد في العالم ربما من يستوعب مثل هذه العبارة اكثر من اللبنانيين انفسهم.
اللبنانيون محكومون بالحوار والتوافق وغير ذلك هو ارتهان للفوضى والمجهول وفتح المجال امام الاخرين ليخوضوا حروبهم على لبنان وفيه.