لدى العديد من المراقبين لأوضاع لبنان، أنه لو جاء كل المصلحين في الوطن العربي لعجزوا عن خلق خلطة خاصة، تضع الفرقاء خارج دائرة الفئوية، والركض خلف الدول الكبرى، في وهم أنها المنقذ والمحرر..
لبنان يملك مثقفين، وتجاراً، وأصحاب مبادرات في إنجاح السياحة، والصناعة، وعقد الصفقات المباحة والممنوعة، وهذه الكفاءة الذاتية مشكلتها الكبرى أنها فردية، أو طائفية، ومعها ضاعت الحسابات بتوليف وطن يتعايش فيه الفرقاء دون احتكاك يبدأ بالنقاش وينتهي للبندقية..
في الحوار الوطني، جرت مساجلات كبيرة، البعض صوّرها بالنقلة النوعية للمصالحة وآخرون رأوها مجرد تقليعة لفك الحصار عن تحالفات نشأت، وأخرى تبحث عن آخر، لكن القضية لا تتعلق بطائفة كبرى، وأخرى أقل وزناً ونفوذاً، لتقاسم المصالح وخلق المناورات بين الفصائل، وإنما تكمن العقدة بعدم الثقة بين تلك الأطراف، وهذا ما كشفته اللقاءات الجديدة عندما برزت الاشتراطات، والمساومات، وتكريس قوة الطائفة، ومن ثم التهديد بالاستعانة بالغريب الخارجي..
علاج لبنان يتم من الداخل، والداخل يعيش حالة اللاتوازن، وحتى مع فرضية القبول بأن الأزمة تصاعدت مع التواجد السوري، ولم تزل بعد رحيل قواته، إذ الخلاف على بقاء رئيس الجمهورية، أمكن التغلب عليه، بتنازلات، أو مساومات جرت في منتدى الحوار، لكن الخلاف بدأ مع إيجاد البديل، وهنا بدأت تطل فرنسا وأمريكا من الشباك المفتوح.
وصار من لا يملك قوة ضغط داخلي، يستعين بضغط الدولتين الكبيرتين، لكن الرهان على هذه الحالة جاء ليبدد جهود المجتمعين، لأن هناك من رأى فيهما اقتحاماً للسلطة الشرعية اللبنانية والتعاون مع دولتين، هما عند البعض تتحركان لمصلحة إسرائيل أكثر من انفراج الأزمة اللبنانية والتحكم بآلياتها الخلافية..
عمق المشكلة أن كل الذرائع المقبولة، والمرفوضة، هي جدل ليس على الشرعية وإنما على المكاسب، ومع ضياع الوقت، وعودة الشكوك، بدأت الأشكال المطروحة تتخذ مسار اللاعودة، وكأن لبنان معلق مصيره، إما بمنتفعٍ، أو مُسْتقوٍ بقوى خارجية..
حقيقةً لبنان منقسم على نفسه، وقد تحول إلى مسرح يتلاعب فيه كل من له صلة بأشخاصه ورموزه، ولذلك وجدنا أدواراً ترسم إقليمياً أو خارجياً بألوان ومصالح تلك الدول، ويبقى لبنان مصدر القضية المفتوحة على كل المفاجآت، سواء تم الصلح بين كل الأطراف أو انفرط عقدهم، وهنا صار الوجه الخفي الذي يدير المعركة من خارج الحدود، هو القوة الرمزية أحياناً، والفاعلة في كل الأحايين..