من المؤشرات الايجابية في الساحة الفلسطينية، تتالي الأصوات المنبعثة من داخل الأطر القيادية لحركة فتح، وهي الأصوات الداعية لإحلال منطق الشراكة مع حركة حماس في تشكيل الوزارة الفلسطينية بعد فترة قليلة من التفكير والتمحيص بالنتائج والمستتبعات التي كرستها انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني، وهدوء الفورة الفتحاوية التي تأثرت وتألمت بالنتائج التي تمخضت عنها.

فوفق قواعد العملية الديمقراطية، التي أوصلت حركة حماس إلى موقع مقرر في المجلس التشريعي الفلسطيني، وتصدرها مهمة تشكيل الحكومة القادمة.

تقع على عاتق حركة فتح مهام استثنائية باعتبارها «أم الولد» والشريك الفاعل والمؤثر لحركة حماس في الساحة الفلسطينية «قبلت بعض أطر حركة فتح أم لم تقبل «، خصوصاً وأن المنطق الابتلاعي البعيد عن التشارك السياسي وفق المساحات المشتركة، أصبح خارج التاريخ الفلسطيني، ولم يعد بإمكان أحد أن يتحدث بلغة بائدة عنوانها (انقلاب قسري) على النتائج التي تمخضت عن انتخابات 25 يناير 2006.

أو سل سيف المقاطعة بوجه الحكومة الفلسطينية القادمة، التي يفترض أن تعمل حركة حماس على تشكيلها، بما في ذلك تأليب الجمهور الفلسطيني، ومحاولة خلق احتكاكات سلبية لا طائل منها».

وعليه، فإن إنجاح خطوة تشكيل حكومة ائتلافية وفق أوسع مشاركة فلسطينية، على أساس البرنامج المشترك، خصوصاً بين فتح وحماس ضرورة وطنية فلسطينية خالصة.

ولابد منها للحفاظ على وحدة البيت الفلسطيني، ووحدة أدوات الفعل والتأثير، وإسهاماً مباشراً في تكريس منطق التداول السلمي لمواقع السلطة، وقطع السبل أمام محاولة واشنطن لتأليب العالم والبعض من دول الاتحاد الأوروبي ضد نتائج الانتخابات الديمقراطية الفلسطينية.

ومن هنا فإن نجاح حركة حماس في لقاءاتها التشاورية الفلسطينية الجارية في قطاع غزة مع حركة فتح والجبهة الشعبية ومجموعة الطريق الثالث ومجموعة فلسطين المستقلة، يفترض أن يتمخض عنها نتائج ملموسة، على صعيد إرساء الأرضية السليمة لتشكيل حكومة ائتلافية فلسطينية متعددة الألوان السياسية والفكرية.

وتحت إدارة عليا يمثلها موقع الرئيس الفلسطيني محمود عباس، المعروف عنه حرصه الشديد على إنجاح التجربة الديمقراطية الفلسطينية إلى حدودها البعيدة وتخومها النهائية.

ان حركة حماس والدروس المستخلصة من عصارة تجربتها في الأعوام الأخيرة، خصوصاً بعد أن فقدت حالات مؤثرة من قياداتها الأولى المؤسسة لها، واقتناعها الكامل بأن مرحلة جديدة قد بدأت مع رحيل الرئيس ياسر عرفات.

لذا فهي تسعى لتكريس وتطوير وجهة نظر سياسية تَظهر من خلالها على أنّها عرفت كيف تقيم المزج القائم على إحداث التوازن الضروري بين ثوابتها في الصراع مع الدولة العبرية وبين البراغماتية السياسية، التي يزداد الميل نحوها مع ضرورات الواقع السياسي الفلسطيني الجديد في فضاءاته الإقليمية والدولية شديدة التعقيد.

وانطلاقاً من المعطى إياه فإن حركة حماس، بتجربتها الغضة على صعيد التحول في ادارة السياسات الخارجية بحاجة ماسة إلى حركة فتح الضليعة في تجربتها السياسية في الميدان العربي والدولي.

كما أن سلامة البيت الفلسطيني بحاجة إلى إحلال العلاقة المتوازنة بين القوتين الأكبر في الساحة الفلسطينية، بعد أن تآكلت تيارات اليسار والاتجاهات القومية، ونهشت ذاتها في صراعات «الغرغرينا» المريرة وغير المبدئية.

كاتب فلسطيني