ليس كل من يحمل جنسية بلد أو دولة ينطبق عليه لفظ مواطن المعنى الحقيقي للكلمة، فربما يقال ان من مواطني هذه الدولة كوضع قانوني لجنسيته، لكن بمقاييس الانتماء والتقويم الأخلاقي فإن المواطنة ليست مجرد وضع قانوني، بل هي شرف وإيمان واخلاص ومشاركة فعالة.
فالمواطن هو الذي يهتم بمتابعة مسيرة وطنه، وعنده إلمام بالاتجاهات الفكرية والسياسية المطروحة على الساحة، ونوع من الفهم المعقول لمسيرة الماضي وصورة الحاضر، فضلاً عن الاحساس بنبض الناس حول مشكلاتهم وغاياتهم، ولديه احساس بالمستقبل يمكنه من مقارنة الواقع بالممكن وبالمرغوب فيه.
ولذا على المواطن الإماراتي الذي يريد ان يكون عنصراً ايجابياً في وطنه، أن يتحول من نطاق الانتماء القانوني إلى الانتماء الأخلاقي والسياسي، فالمواطن الإماراتي الحقيقي هو من يكون على وعي بالظروف التي تمر بها بلده وعلاقتها بالظروف العالمية والاقليمية سريعة التبدل والتغير.
وان يكون عنصراً نشيطاً وايجابياً من أجل صنع مصير بلده، وان يبذل الغالي والنفيس في اتقان عمله ومهنته من أجل ان تواكب الإمارات ما يحدث في العالم من متغيرات.
فالعالم اليوم يمر بحالة تغير واسعة النطاق، تصل في بعض جوانبها إلى ما يطلق عليه «ثورة كبرى» على المستوى التكنولوجي والسياسي والثقافي والاجتماعي، ومختلف أبعاد الحياة الإنسانية، لاسيما فيما يتعلق بالأساليب المتطورة للتعامل مع البيئة ومناشط الحياة.
والثورة التي يشهدها العالم اليوم هي ثورة معرفية تفتح امام العقل آفاق بعيدة للتحكم في البيئة والمضي في تطويرها إلى درجة كفيلة بإحداث تغيرات واسعة النطاق في منظومة العلاقات السياسية، وما تنطوي عليه من تحديد لمواصفات ومتطلبات ما يطلق عليه «القوى الكبرى»، ومن تطوير مستمر لأوضاع دول وأقاليم عديدة في هذا العالم .
وموقع كل منها من خريطة التطورات والتوازنات السياسية المستمرة. وتمتد مظاهر التغير إلى الابعاد الاجتماعية، ليس فقط كنتيجة للتغيرات السياسية ولما يترتب على ثورة المعلومات والاتصالات من اثار.
بل أيضاً بسبب ما تنطوي عليه الثورة التكنولوجية من مضامين جديدة بالنسبة إلى علاقات الانتاج وشبكة العلاقات الإنسانية بمختلف مستوياتها، تقترب بها أطر أولية لحضارة انسانية جديدة سوف تتبلور معالمها مع انماط التكيف التي سيمر بها البشر خلال تعاملهم مع مفردات تلك الثورة.
ويمكن ان ينعكس هذا على المسارات التي تتبعها الخيارات التكنولوجية ذاتها وطبيعي ان يكون لهذه التغيرات مجتمعة مغزاها وتشابكاتها مع مستقبل المتغيرات والهياكل والعلاقات الاقتصادية، بالنسبة إلى قاعدة الموارد، سواء من حيث التغير في النوعية أو مدى الوفاء بالاحتياجات المتزايدة والمتطورة.
وهكذا يمكن القول إن الإمارات مقبلة مع العالم على مرحلة جديدة، تختلف في جوانب كثيرة من معالمها عما عهدته في سابق تاريخها وتجاربها.
ان المواطن الاتحادي الإماراتي الواعي بحالة التمزق التي يعيشها الوطن العربي حالياً، عليه ان يبتعد بعض الشيء عن هذه الحالة، وذلك للتركيز على الاصلاح الداخلي لوطنه الاتحادي.
وتخيلوا معي لو ان كل بلد عربي اهتم مؤقتاً بإصلاح أحواله الداخلية، ألا يكون لدينا بعد سنوات قليلة عدة بلدان عربية قوية اقتصادياً وسياسياً يمكنها ان تجتمع معاً على إرادة واحدة تجعلها في وضع أفضل عالمياً عوضاً عن حالة التمزق التي يمر بها العالم العربي الآن.
فمثل هذا الأسلوب ينطبق على الحالات التي وصل أصحابها إلى تحقيق الوحدة الفعلية، أو بلغوا مراتب القوة، بما يسمح لهم بالحديث مثلاً عن أوروبا وأميركا والهند وروسيا الجديدة وبالتالي فإنه ما لم يجد العرب أو يكتسبوا مصادر القوة فسوف يظل الحديث عن وجود مستقبل لهم موضعاً للجدل.
ان وحدة الدين والعقيدة والعرق ليست كافية بل لابد من وحدة مصالح بين بلدان قوية اقتصادياً، فأوروبا اتحدت وكان بداية اتحاد ما بين دولها القوية ثم اتسع هذا الاتحاد ليشمل دولاً أقل في القوة، اننا نواجه مستقبلاً لا مجال فيه لكيانات صغيرة تواجه وحدها قوى عاتية ونظاماً عالمياً طاحناً.
والكيانات الصغيرة الضعيفة لا قيمة لها، بل لابد ان تتحول إلى كيانات قوية تجتمع معاً في وحدة تقوم على «الاعتماد المتبادل» في مواجهة الاخطار الخارجية.
ولاشك ان الذي يجعلنا نطالب بالتركيز المؤقت على الاصلاح الداخلي قبل التفكير في تفعيل الوحدة العربية، هو الاحساس بالمأزق العربي، فلابد من ان تصلح الدول العربية من أحوالها الداخلية حتى تستطيع ان تصل إلى التفاعل الصحي القادر على تشكيل جبهة قوية أمام أطماع اسرائيل من ناحية وأمام التغلغل الأميركي من ناحية أخرى وأمام مختلف التحديات الإقليمية والعالمية من ناحية أخرى.
ونشعر بأن الإمارات تسير بخطوات محسوبة في عملية الإصلاح الداخلية رغبة في تحقيق درجة من التقدم في اتجاه دولة قوية قادرة على مواجهة التحديات، فقوة الإمارات قوة للعرب والمسلمين وقد اسعدتنا وأفرحتنا تلك الصفقة التي تم توقيعها مؤخراً والتي تسمح لشركة موانئ دبي العالمية بإدارة ستة موانئ أميركية.
فهذا علامة واضحة على أن الإمارات قد تطورت في الميدان الاقتصادي والإداري، بل علامة على أنها قادرة على ان تقيم علاقة فعالة ومتبادلة مع أكبر قوة في العالم اليوم، علاقة أخذ وعطاء بين طرفين.
إن توقيع هذه الصفقة مؤشر على أنه لا قيمة للعرب بدون اقتصاد قوي وإدارة فعالة تكون محلاً للثقة من قبل دول العالم، وهذا ما يدعونا إلى مواصلة مسيرة الإصلاح الداخلي من أجل تحقيق مزيد من الانجازات على المستوى الدولي.
وهذا بالطبع أزعج القوى الصهيونية أقصد اللوبي الصهيونية في الكونغرس الأميركي ـ تلك القوى التي راحت تزعم أن هذه الصفقة تشكل تهديداً أمنياً للولايات المتحدة الأميركية! ولا شك أن هذه ضجة مفتعلة تتجاهل الحقائق، ولا تعبر الا عن مصالح من يريدون أن يحولوا دون التفاعل الايجابي والمتكافئ بين دولة عربية صاعدة والقوة الكبرى في العالم.
وتخيلوا معنا مرة ثانية لو سارت مجموعة من الدول العربية في الاتجاه نفسه لبناء اقتصادها، واستطاعت ان يكون لها وزن مؤثر في الصفقات الدولية، ألا يكون هذا رصيداً مضافاً إلى الأمة العربية أكثر فعالية من الشعارات الجوفاء التي لا تقدم ولا تؤخر.
ان هذا العبء لا يقع على الحكومات فقط بل يقع كذلك على المواطن. ولذا وجب على الجميع حكومات ومواطنين أن يقوموا بالتركيز على الاصلاح الداخلي لتحقيق القوة الاقتصادية والسياسية التي تؤهل كل بلد للدخول مستقبلاً في اتحاد من نوع جديد مع سائر البلدان العربية على أساس من وحدة المصالح والاعتماد المتبادل».
وفي كل الأحوال لا يمكن السير في هذا الاتجاه بدون قاعدة قوية من المواطنين الذين يحملون الوعي بالظروف العالمية والاقليمية ولديهم قدرة على المشاركة والعطاء، ويملكون مفاتيح الثورة المعرفية التي تفتح أمام عقولهم آفاقاً بعيدة للتحكم في صنع حاضرهم ومستقبلهم.
منسق أكاديمي ـ جامعة الإمارات