ما شهدته جلسة العمل الأولى للمجلس التشريعي الفلسطيني كان من الممكن اجتنابه. بل كان من اللازم أن لا يحصل. فلا التوقيت يسمح بذلك. ولا طبعاً الأولويات السياسية والهموم الوطنية. ولذا بدا حدوثه وكأنه قفز فوق هذه الاهتمامات الكبيرة.

الأمر الذي ترك الانطباع بأن الاعتبارات والحسابات الحزبية الضيقة هي التي لا تزال تتحكم بالمواقف والعلاقات بين الأطراف والقوى المتنافسة تحت قبة المجلس ومثل ذلك من شأنه زيادة الإحباط، في لحظة تحتاج الساحة الفلسطينية خلالها إلى تعزيز عناصر التماسك الوطني، وتجاوز صراعاتها الداخلية الثانوية. أو على الأقل تأجيلها حتى وقت لاحق.

أول ما قامت به الأكثرية، أو بالأحرى ما حرصت على القيام به، كان طرحها لمشروع قانون يلغي القرارات الصادرة عن المجلس التشريعي السابق، في آخر جلسة له.

أهمها كان يتعلق بتوسيع صلاحية الرئيس الفلسطيني وتمكينه من تعيين قضاة المحكمة العليا. فاز المشروع، بعد جدل ومناقشات حامية، لم تكن خالية من التلاسن بين فريقي «فتح وحماس». الفريق الأول انسحب من الجلسة، وحدث لغط وجلبة، فرضا الحدث على الساحة والانشغال به.

«حماس» تقول إنها لم تقم بشيء خارج اللعبة البرلمانية وإطار الدستور.ردت «فتح» بأن ما حصل ليس سوى محاولة، من البداية، لفرض الاستئثار بالقرار، وأن انسحابها من قاعة المجلس كان تعبيراً عن احتجاجها على مثل هذه الممارسة.

طبعاً، «حماس» لم ترتكب أية مخالفة للقواعد والأصول. بل مارست دورها ضمن دائرة حقها، كأغلبية. ولا «فتح» تمرّدت ورفضت عند خروج أعضائها من الجلسة. ترك القاعة ولو من باب الاحتجاج، خيار لها الحق في ممارسته. الخلل ليس هنا.

الخلل كان في الاستعجال والتسرّع من جانب الفريقين. بدلاً من افتتاح الدورة التشريعية بخطوة تحتمل التفسير على أنها تندرج في خانة تصفية الحساب مع المجلس السابق ـ حتى ولو كانت النية غير ذلك ـ، كان من الأفضل أن تترك «حماس» مثل هذا الإجراء إلى وقت لاحق. لاسيما وأن القوانين التي جرى إلغاؤها ليست بذات طابع حيوي، يتحكم بسير العمل الحكومي.

كان بالإمكان تفكيكها، في وقت لاحق ومن خلال مشاريع قوانين يجري تقديمها كلاً على حدة. خاصة وأن امتلاكها للغالبية المطلوبة يضمن لها تمرير ما تريده من قوانين، إلغائية «كانت أم برنامجية.

كذلك الحال بالنسبة لفريق «فتح»، فالانصراف من الجلسة تحت ستار غطاء هجومي يتهم الآخر بالتفرد كان فيه شيء من التسرّع في إطلاق الأحكام. على الأقل لأن الأمور لاتزال في بدايتها، حيث المجلس بالكاد بدأ عمله، وحيث الأكثرية لم تقم بعد إلا بخطوة واحدة. وبالتالي لا يزال من السابق لأوانه الحديث عن الاستئثار وما شاكله.

بقطع النظر عن حيثيات كلا الجانبين ـ والتي لا خروج فيها على الأصول ـ إلا أن ما حصل لا يخدم المصلحة الفلسطينية. فاللحظة تقتضي سيادة روح الفريق، خاصة وأن المشاورات لتأليف حكومة اتحاد وطني تستجيب للمرحلة، لا تزال جارية، فالأمور تقاس بظروفها، وليس فقط بانضباطها ضمن المقبول والأصول. والظرف الحالي كان يفرض أن تكون بداية المجلس أفضل مما كانت، طالما أن الأولوية يجب أن تعطى للخطر الإسرائيلي، وكيفية مواجهته.