طرائف اللعبة النووية الأميركية لا تنتهي، فبينما تواصل إدارة الرئيس بوش حملتها الدبلوماسية الشرسة ضد برنامج إيران النووي بحجة منع الانتشار النووي في العالم، فإن الرئيس الأميركي نفسه يطير عبر آلاف الأميال إلى نيودلهي ليوقع اتفاقاً نووياً تاريخياً مع الهند بهدف تمكين الدولة الهندية من الاستفادة من التكنولوجيا النووية الأميركية المتقدمة.

وفي الوقت نفسه يشخص بوش إلى إسلام آباد على الجوار الجغرافي ليطالب نظام الجنرال مشرف بتصعيد «الحرب على الإرهاب»، وفقاً للمفهوم الأميركي للإرهاب، لكن من دون أن تلقى باكستان مكافأة نووية.

فتح الأبواب التكنولوجية الأميركية أمام خبراء الفيزياء النووية الهنود اعتبرته مجلة «الاكونومست» النخبوية اللندنية «كرما نووياً أميركياً»، وربما هو كذلك، لكن لماذا يشمل هذا الكرم دولة هندوسية ولا يشمل دولاً إسلامية؟

قبل بضع سنين تمكنت باكستان أخيراً من تحقيق توازن نووي مع غريمتها الهند بعد أن نجحت في تطوير برنامجها إلى مستوى إنتاج قذائف نووية، فأصبحت الدولتان متساويتين في الردع. الآن يأتي «الكرم» النووي الأميركي للهند فيختل التوازن مرة أخرى، على الأقل في جانب الاستخدام المدني للقوة النووية.

من ناحية أخرى تشكك الولايات المتحدة في الهدف من وراء البرنامج النووي الإيراني، فبينما يقول المسؤولون الإيرانيون إن البرنامج مصمم من أجل خدمة أغراض سلمية فقط، تحديداً التوسع في إنتاج الطاقة الكهربائية، فإن الإدارة الأميركية تقول إن لدى طهران خطة سرية لتطوير البرنامج إلى مستوى إنتاج أسلحة نووية في غضون خمس سنوات تقريباً.

ولكن لنفترض أن الشكوك الأميركية صحيحة مئة في المئة، فكيف نفهم أن تفتح واشنطن باب العون التكنولوجي النووي أمام الهند، وهي تملك ترسانة من الأسلحة النووية الجاهزة للاستخدام النووي، بينما تشن حملة ضارية على البرنامج النووي الإيراني على أساس «شكوك»؟

لا تفسير لهذه اللعبة الأميركية سوى أن الولايات المتحدة تنظر في الخريطة النووية العالمية بعين أمنية إسرائيلية، فبينما لا تمثل الهند الهندوسية خطراً أمنياً على الدولة اليهودية فإن إيران الإسلامية طرف في معادلة الصراع بين إسرائيل والعالم العربي الإسلامي.

وما ينطبق على إيران ينسحب على باكستان، حتى قبل خمس سنوات فقط كانت الإدارات الأميركية المتعاقبة تمارس ضغوطاً شرسة على الحكومات الباكستانية لحملها على تفكيك البرنامج النووي الباكستاني.

وجاءت أحداث سبتمبر 2001 لتكون إيذاناً بفتح فصل جديد في العلاقات الثنائية تحت عنوان دخول باكستان في الحرب الأميركية على «الإرهاب»، مقابل سكوت الولايات المتحدة على البرنامج النووي الباكستاني.

وكما هو واضح فإن هذا وضع تكتيكي مؤقت سوف يتلاشى عند أية نقطة زمنية مستقبلية عندما تجد واشنطن أنها استغنت عن العون الأمني الباكستاني أو عندما ينتقل الحكم إلى نظام باكستاني جديد يتبنى خطاً سياسياً مختلفاً تجاه الحرب على «الإرهاب».

وتبقى طرفة أخيرة في اللعبة النووية الأميركية، اتفاقية العون النووي الأميركي للهند تنطوي على مخالفة صريحة للقانون الدولي، لأن الهند لم توقع على المعاهدة الدولية لحظر الانتشار النووي، وإيران تتعرض للنقمة الأميركية بينما هي من أوائل الدول التي وقعت على المعاهدة!