على مفترقات طريق التاريخ، تخرج بين الحين والحين أصوات تنادي بتجديد الدين أو تطويره، وفي أغلب الأحيان يأتي الصوت كلمة حق يراد بها باطل، وقليلا ما يأتي إشراقة صبح ربيعي تورق فيه شجرة الإسلام من جديد، وسواء أكانت الأصوات مغرضة أم مخلصة فإن الإسلام دون سائر الأديان والملل والنحل ـ هو وحده الدين الذي يحمل في داخله عوامل بقائه وتجدده وتألقه.
فلا يزيده امتداد الزمن إلا بريقا، ولا يزيده إلا إبهارا، ولهذا فهو تجدد لا يغير لونا ولا يبدل شكلا ولا يضيف بهتانا، ولا يلوي أعناق النصوص بالتأويل والتحريف ليحل ما كان حراما ويحرم ما كان حلالا، ولكنه تجدد ينفي ما ألصقه به الناس مما ليس منه، ويكشف من قيم الإسلام قيما متجددة.
ويقدم تعاليمه بلغة مبتكرة، وينفث في روح أتباعه الصبر والأمل، وبالتالي فإن باب التجديد في الإسلام يجب أن يبقى مفتوحا لا يملك أحد إغلاقه، كما لا يملك أحد تجديده خارج إطار ضوابطه. أما خدعة تطويره فلا تحتمل إلا الانسلاخ منه والخروج من حوزته.
إن الإسلام بثوابته ومتغيراته ليس دينا من وضع البشر أو من ابتداعهم كالبوذية أو الكونفوشيوسية أو الهندوسية، وهو كذلك ليس دينا محرفا ومبدلا كالنصرانية أو اليهودية، وهو أيضا ليس مذهبا فكريا كالوجودية أو المادية، أو حركة عنصرية كالنازية أو الصهيونية، أو نظرية علمية يمكن إخضاعها للاختبار والتمحيص بالجدل والمنطق والفلسفة.
بل هو دين من لدن رب هذا الوجود وإلهه ومليكه، فلا يملك أحد إذن كائنا من كان ولا الأنبياء المرسلون أن يتدخل فيه بالزيادة أو النقصان أو التعديل أو التبديل أو التطوير، إلا ما أناطه الله بالراسخين في العلم وأهل الذكر من المسائل أو الأمور أو النوازل بحسب تغير مصالح الناس.
وبحسب تغير الأزمنة والأمكنة، ولهذا فإن فرق المسلمين التي راحت تطور الدين فحرفت وبدلت في أصوله وثوابته قد مرقت من منهج الله كما يمرق السهم من الرمية.
وأما التي اقتفت الأهواء ودعوة الشيطان كالباطنية فقد انتهت إلى واد والإسلام في واد آخر، لا يلتقيان أبدا، وتأتي على شاكلتها محاولات تبديل الإسلام وتقويض أركانه بدعوى التطوير والتجديد التي لا تزال تظهر حتى اليوم.
كما صنع الشيطان بالقرآن وبصلاة الجمعة، فهذا الصنف من التطوير يصدق عليه أي وصف إلا أن يكون تجديدا أو حتى تطويرا بالمفهوم العلمي، فالذي يسمي عملية تحويل طائرة نفاثة إلى عربة تجرها الخيول تطويرا، لا يعدو كونه معتوها أو دجالا.
إن تجديد الإسلام يمثل إعادة برمجة لمفهوم الدين لتنشيط الطاقات الإيمانية الكامنة عند المسلمين حتى يؤبون إلى وحي الله المنزل وعروته الوثقى، ليمسح عن وجوههم تعب الطواغيت.
ويلهمهم الحلول والعلاجات لحيرة الإنسانية وأزماتها في مسيرتها بين البدء والمنتهى، ولئن رأى البعض أن الإسلام بهذا يصبح سجنا، فإن الخروج منه يعني بالضرورة الدخول إلى سجن آخر شاء الإنسان أم أبى، وبهذه الحتمية يكون سجن الإسلام خيرا بآلاف المرات من كل سجون الدنيا.
ولئن كان المسلم وحده الذي يأوي إلى فراشه منهك الجسد، محزون الفؤاد فإنه ـ بخلاف نزلاء السجون الأخرى المزخرفة بألوان الشهوات ذوي الأجساد المترفة والأفئدة الغافلة ـ يأوي بنفس تمتطي صهوة الحق وتجوب آفاق الوجود لا تكبلها أغلال الشهوة، ولا يقيد حركتها ظلام التهافت على حطام الدنيا.
وبهذه الكيفية لا يكون تجديد الدين مطلبا بل واجبا تقع مسؤوليته على أمة المسلمين في كل فترة من فترات تواجدهم حتى يرث الله الأرض ومن عليها، كما أخبر بذلك صلى الله عليه وسلم بقوله: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها) «رواه أبو داود بسند صحيح»، إلا أن هذه الحركة لا يمكن تشبيهها بأي عملية تجديد أو تطوير.
فمن تجاربها التاريخية نجدها حركة اجتماعية وعلمية وفكرية متناغمة، تبدأ موجة صغيرة في خضم المحيط، إلى أن تلقي بثقلها وتأثيراتها على الشاطئ مكتسحة كل أشكال التخلف والانهيار والوهن، ثم تنجلي عن حياة جديدة تموج بالعطاء والنماء والخير.
ولعل معطيات هذه المرحلة الحرجة جدا من تاريخ الأمة الإسلامية تجعل التجديد في هذا العصر مطلبا أشد ما يكون إلحاحا عنه في أي مرحلة من مراحل تاريخها، بل هو طوقها الوحيد للنجاة من مأزقها، ولكن الإشكالية التي تكتنف حركة تجديد الإسلام اليوم تتبدى في الآتي:
أولا : أن الإسلام وأهله وبلاده يعتبرون رسميا تحت وصاية الاستعمار الغربي إما مباشرة بالاحتلال العسكري أو سياسيا بالتحالفات الاستراتيجية أو بالواسطة من خلال أنظمة الحكم الصديقة، وبذلك فهم واقعيا ومنذ قرابة قرن من الزمن يعيشون كابوسا عسكريا وسياسيا واقتصاديا وتقنيا وثقافيا يجعلهم يعيشون حياة الأسر التي اكتملت فصولها بكوميديا الحرب على الإرهاب.
وبناء عليه فالأمة ممنوعة من أن تتطور أو أن تنهض إلا عمرانيا حتى لا تتحول إلى طرف له وزنه في الصراع العالمي، وأول ممنوعاتها أن تعيد شحن مستودع الطاقة فيها بتجديد الإسلام على قواعده وأصوله الشرعية.
ثانيا : بمقاييس هذا الزمن وطبيعة حركة البشر فيه، فإن تجديد الدين أو إحياءه بجهود شخص واحد مهما أوتي من العلم والعزيمة وعلو الهمة أقرب إلى المعجزة، فهذا زمن الأطر المؤسساتية ومنظومات العمل في كل مجال من مجالات الحياة سواء تبنته الحكومات أو عصبة من أهل العلم.
وفي جميع الأحوال فإن التجديد سيحتاج إلى توافر البيئة والمناخ والمقومات المواتية، فهل يمكن مثلا تطوير الخدمات الصحية دون مستشفيات وأجهزة متطورة ومختبرات بإدارة متميزة، تساندها كليات للطب والصيدلة ومعاهد للبحوث والدراسات الطبية، ومكتبات متخصصة ومصانع للوازم الطبية والصحية والأدوية وأطباء وممرضين متمرسين وغير ذلك كثير.
وكما أن أحدا لا يقبل أو يتصور أن يطور الخدمات الطبية سياسي محنك أو مذيع تلفزيوني ناجح، فكذلك الدين لا يمكن لأحد أن يقبل أو يتصور أن يجدده صحافي بارز أو أديب نابغ.
ثالثا : ان أمة المسلمين في هذا العصر لا تجمعها دولة واحدة، ولا مذهب واحد، ولا ظروف سياسية أو اقتصادية أو ثقافية متماثلة في الغالب، ومع هذا المأزق فإن ساحتها العلمية والروحية تكاد تخلو أو يعتريها النقص الشديد في العلماء القادرين على قيادة سفينة التجديد والذين تلتف من حولهم جماهير الأمة وتلتحم بهم، هذا من جانب .
ومن جانب آخر فإن الأكثرية الساحقة من جمهور المسلمين - رغم كل جهود جمعيات الدعوة والإصلاح ـ تفتقر إلى الحد الأدنى من الوعي أو الفهم، ولا تكاد تفقه من دينها إلا الصلاة والصيام.
وعلى الرغم من هذه الإشكالية، وكما نجحت حركات التجديد تاريخيا، فإن تجديد الدين برؤية هذا العصر ولغته يبقى حلما ممكنا إذا تضافرت إرادة الأمة للإبحار نحو شاطئ النجاة، وقد يتأتى ذلك بإطلاق مبادرة تاريخية تجتمع من أجلها مجهودات كل الدول والمؤسسات الإسلامية، من خلال بناء منظومة مكونة من:
ـ جامعات وكليات ومعاهد يتأهل فيها أفواج العلماء والفقهاء والمتخصصين والباحثين في علوم الدين وفقا لأصول الكتاب والسنة الصحيحة، ووفق منهجية تقوم على تنوع الاختصاصات وتعاضد علماء الدين مع علماء الدنيا وفي كل شأن من شؤون الحياة.
ـ مراكز للدراسات والبحوث في مجالات تطوير قواعد الاجتماع والاقتصاد والتربية والإدارة والإعلام والفنون وغيرها وفقا لأصول الإسلام.
ـ دور للنشر والطباعة تتبنى إصدار الكتب والمجلات والدوريات العلمية المتخصصة لنشر الدراسات والبحوث وإيجاد حركة فكرية.
ـ مكتبات، وقنوات متلفزة، وإذاعات تتمتع بمساحة كافية من حرية الكلمة وعرض الآراء ورفع مستوى الوعي عند الجماهير.
ـ إعطاء المشروع فرصته الزمنية لجدولة عملية التجديد واختبار النتائج وتصحيح الأخطاء وتطوير أساليب الأداء.
ـ توفير فرص العمل للعاملين في هذا المجال بحوافز مشجعة، فلا يجوز أن يكون طبيب الأرواح أبخس أجرا من طبيب الأبدان.
تطبيق النتائج على أرض الواقع، فالتجربة هي برهان النجاح أو الفشل، ولا فائدة ترجى من أبحاث أو دراسات أو نتائج تقبر في الأدراج، ويلفها غبار النسيان.
كاتب إماراتي