يعد التخطيط لتطوير التعليم من أهم المرتكزات التي تعتمد عليها الدول المتقدمة في رسم صورة المستقبل الذي تستشرفه للأجيال القادمة من أبنائها.

ولا شك أن التخطيط الصحيح المنطلق من رؤية متبصرة واعية لا يكتفي بالنوايا الطيبة والأهداف الكبيرة، بل يسعى جاهدا إلى الاستفادة من تجارب الآخرين الذين قطعوا أشواطا طويلة في تحسين قطاعات التعليم وتطويرها والرقي بها.

والاستفادة مما عند الآخرين لا تكون بالتقليد الأعمى أو الأخذ غير المشروط من دون دراسات ومناقشات تترك للآخذ فرصة التأمل والتفكر وربط تلك التجارب بحاجاته هو وخصوصيته التي لا يمكن بأي حال من الأحوال إلغاؤها أو تجاهلها.

ومن المهم أن يرتكز أخذنا عن الآخر أيضا بمعرفة علمية متينة تجعل الاستفادة منه مدعمة بالأدلة العلمية التي جاءت نتيجة تجارب متراكمة استطاع فيها الآخرون أن يختبروا الكثير من النظريات أو المبادئ التربوية من خلال أبحاث علمية مقننة تعتمد نتائجها عالميا بحيث نكون مطمئنين إلى أنّ مثل هذه المبادئ.

أو الضوابط العامة في التخطيط للتعليم لاقت من الدعم العلمي على مستوى الكثير من الدول ما يجعلها أقرب إلى المسلمات التي تبنى عليها خططنا في تحسين التعليم والرقي به إلى مستويات عالية الجودة بمعايير عالمية تضعنا في مصاف الدول المتقدمة.

أقول هذا في ضوء ما حدث ـ وقد يحدث ـ لمادة اللغة العربية في مدارسنا؛ فقد سعت وزارة التربية والتعليم في السنوات الأخيرة إلى تطوير الكثير من مواد التعليم العام بدءا ببناء الوثائق العلمية المطورة التي اشترطت فيها الوزارة أن تحقق شروط الجودة .

وأن تصمم بحيث تنافس الوثائق في الدول المتقدمة، وانتهاء بتدريب المعلمين وتوفير المواد والوسائل المساندة مرورا بتأليف الكتب المقررة. وقد أولت الوزارة اهتماما ملحوظا بمادة اللغة العربية فكانت حريصة كل الحرص على أن تبنى وثيقة اللغة العربية بناء يهيئ لهذه اللغة فرصة جديدة تضعها في مصاف اللغات العالمية الأخرى.

بحيث يصبح تدريس اللغة العربية في دولة الإمارات مساويا أو مقاربا على أقل تقدير لتعليم اللغة الإنجليزية أو الفرنسية أو الألمانية أو غيرها من اللغات العالمية الأخرى.

ولا شك أننا جميعا نثمِّن هذا التوجه ونقف وراءه بقوة وندعمه كل الدعم؛ لمعرفتنا بالأهمية البالغة التي تحتلها اللغة في التكوين المعرفي والعاطفي والثقافي لكل المتعلمين على اختلاف أعمارهم وحاجاتهم وميولهم. ولكن السؤال الذي نرى أنه بحاجة إلى إجابة أو على الأقل إلى تفكير من قبل المسؤولين في الوزارة هو:

ما الدافع الذي دعا الوزارة إلى تقليص عدد حصص اللغة العربية لتصبح ثماني حصص من أصل عشر حصص في التعليم الأساسي، وخمس حصص من أصل سبع في باقي الصفوف؟

وهل هناك نية أو تخطيط لتقليل هذا العدد أيضا كما تتردد الأقاويل بين صفوف المعلمين وفي أروقة الوزارة؟ وأين هو التخطيط المتماسك الذي يطالب ببناء الوثيقة على أساس ويناقض هذا الأساس في الواقع التعليمي من غير أن يكون مدعوما بحجج علمية تبرر تقليص حصص اللغة العربية لصالح مواد أخرى.

وإذا أردنا أن نتحدث من منطلق علمي خالص فإن اللغة - أي لغة- تقع في قلب أي بناء تربوي يقوم على أسس علمية مدروسة، وتحظى باهتمام بالغ من القائمين على التخطيط التربوي وتطوير التعليم؛ لعلم هؤلاء بأهمية التأسيس اللغوي الصحيح للمتعلمين، لأن اللغة تسهم إسهاما مباشرا وعميقا في التحصيل الدراسي للمتعلمين في كل العلوم والمعارف.

وهي المادة العلمية الأولى التي تمكنه من مهارات الاتصال مع الآخرين ومن التعبير عن نفسه تعبيرا مؤثرا فاعلا معبرا. وهذا أمر تدعمه التجارب العلمية التي تتوالى في العالم المتقدم مؤكدة خطر البعد اللغوي ودوره العميق في التحصيل العلمي وتطوير مهارات التواصل والتفكير عند المتعلمين.

في تجربة أجريت على بعض المدارس الأميركية لدراسة العلاقة بين زيادة الحصيلة اللغوية والنجاح الأكاديمي، خضعت المجموعة الأولى من الطلبة لتدريب مكثف في اللغة الإنجليزية بينما استمرت المجموعة الثانية في دراستها كالمعتاد مع مراعاة التماثل في الفئة العمرية والخلفيات الاجتماعية والاقتصادية.

فكانت النتيجة أنّ الفئة الأولى قد حققت درجات أعلى من الفئة الثانية في مادة اللغة الإنجليزية وفي باقي المواد كالرياضيات والعلوم. وهذا يشير- كما تقول الدراسة- إلى أنّ تنمية الحصيلة اللغوية للمتعلم تؤدي إلى تحسن مستواه التعليمي في جميع النواحي الدراسية.

ولذلك فإن كثيرا من التربويين في الولايات المتحدة وغيرها من الدول الأوروبية يؤكدون إلى ضرورة زيادة الوقت المخصص لتعليم اللغة لعلمهم بالدور الفاعل والحيوي الذي يناط بالنمو اللغوي المكثف لدى المتعلم في تعزيز تعلمه في كل المواد العلمية الأخرى.

وفي دراسة أخرى قام أحد الباحثين في المعهد الفرنسي للبحوث الطبية بمراقبة ذبذبات المخ لمجموعة من الأفراد أثناء حلهم المسائل الحسابية، فوجد أنّ العمليات الحسابية كانت تزيد من نشاط المناطق المتعلقة بالكلام في الفص الأيسر من المخ. مما يؤكد العلاقة القوية بين التأسيس اللغوي الصحيح والقوي للمتعلم وتفوقه في مادة الرياضيات أو غيرها من المواد.

ويكفي هنا أن أشير إلى ما جاء في كتاب «إعداد التلاميذ للقرن الحادي والعشرين» من إشارات كثيرة تؤكد أهمية المهارات اللغوية الأساسية في التكوين المعرفي للطالب، فمنها ما يشير إلى أنّ الطلبة «يجب أن يقرأوا بكفاءة إذا كانوا يأملون في النجاح في القرن 21.

ويقترن بالقراءة مجموعة أخرى من المهارات: الاستماع والتحدث والكتابة والتفكير. ويوافق كثيرون على أنّ القراءة مهارة تتقاطع مع مهارات أخرى غيرها، وأنها أساسية لكافة مجالات المنهج المدرسي».

ولن يتسنى لأبنائنا أن يمارسوا هذه المهارات الأساسية المهمة إلا في حصص اللغة العربية، وهي حين يمارسونها ويتدربون عليها يسجلون لأنفسهم ـ ولمجتمعهم من بعد ـ تقدما في كل مجالات العلم والحياة. هذه حقيقة علمية لا تقبل الشك. فأين نحن منها؟

جامعة الإمارات