أميركا هزمت النازية وانتصرت مع الحلفاء على جيوش هتلر، وأقامت مشروع (مارشال) الذي استطاع إنقاذ أوروبا من التشرذم والضياع، أو الانتماء إلى جناح الشيوعية الصاعدة في الاتحاد السوفياتي، ثم انتصرت على اليابان، وبدلاً من الشوفينية السياسية التي كانت تتسم بها حروبها وعرقيتها حولتها إلى دولة ديموقراطية مدعومة اقتصادياً مثل ألمانيا في حراسة المظلة النووية الأميركية..
لقد جاءت على أنقاض النازية، والشوفينية اليابانية دولتان منافستان لأميركا اقتصادياً، بينما هي تغرق في حروب أفغانستان، والعراق، ومطاردة القاعدة، وبنفس الغفلة بدأت الهند، والصين تستفيدان من تفرع أميركا، وانشغالها بالصراعات الخارجية بأن أطلتا على العالم بقوائم متقدمة اقتصادياً، وتقنياً لتحلا بديلاً عن قوى كلاسيكية، وبتطور مذهل وسريع..
وفيما يشبه الخطط السرية تتدافع أموال الألمان لروسيا باعتبارها الجار القريب والصديق القادم في عمقه الجغرافي، والاقتصادي، وترسانته النووية، وعندما تتلاقى الإمكانات المادية مع التقنية الألمانية - الروسية، فإن جبهة أخرى سوف تطل على العالم من أفق قوة عظمى..
الصين اخترقت حاجز الصمت، وبدأت تمد مشاريعها لأميركا الجنوبية، والدول الآسيوية القريبة، التي هي حوضها الاستراتيجي في المستقبل البعيد، وحتى كندا المتصلة جغرافياً وثقافياً بأميركا صارت تنظر للعالم من زوايا التقارب، لا السعي لمغامرات عسكرية غيرمحسوبة..
أميركا كانت بعين أجيال العالم الهدف المثالي، أي أن سماع الموسيقى الصاخبة ورؤية أفلام هوليود ولبس الجينز وقصات الشعر، وحمل العملة الأميركية الخضراء، والمغامرة بالخروج من حزمة الأفكار الضيقة إلى العقل الأميركي، هي أهداف تلك الأجيال القادمة من كل أصقاع العالم، لكنها أمام ما قدمته من تقنيات هائلة في كسر عزلة العالم عن بعضه.
بدأت تنكشف صورتها الحقيقية، كدولة تريد اختصار ثقافات العالم وتراثه وإمكاناته الاقتصادية في محفظتها الخاصة، وهي المواجهة التي بدأت بالحذر من تطلعات الامبراطورية المعاصرة، إلى التساؤل عن الأهداف، ثم بدايات الرفض وتجدد الكراهيات التي عمت معظم شعوب العالم بما فيها حلفاء الدولة العظمى..
السؤال هل أميركا بالفعل جعلت من أهدافها الاستراتيجية خط سير معاكس لها، بحيث إن الامبراطوريات، والقوى التي قوضتها وهزمتها، هي الآن من تتحفز لأن تصبح أقطاباً جديدة تسربت من خلال تناقضاتها السياسية والعسكرية؟..
بمقارنتها مع المهارة السياسية البريطانية حين كانت الدولة العظمى، وكيف أدارت تلك المجاميع البشرية بسياسات تصب في مصالحها دون أي تناقضات، تعاكس تماماً السلوك والأسلوب الأميركي والتي صنعت نقيضها من داخل رحمها، ليكون البديل القادم..