من مفارقات الحياة العربية التي نتعايش معها، أنه في الوقت الذي تسعى فيه دولنا، لتنشيط آليات الحوار مع الغرب بتكثيف اللقاءات وتفعيل المؤتمرات وبخاصة بعد أحداث سبتمبر، بهدف إزالة أسباب سوء الفهم .

وتقريب وجهات النظر وتدعيم القواسم المشتركة وتعظيم المصالح المتبادلة بين الشرق والغرب، نجد أن الساحة الجماهيرية متروكة لبعض الذين يكرسون القطيعة مع الحضارة الغربية ويعملون على تأزيم العلاقات بيننا وبين الآخر الغربي ويشحنون النفوس والعقول بكل ما من شأنه زيادة مشاعر الكراهية والعداء عبر منابر الجمعة والفضائيات والتجمعات الحاشدة والتظاهرات والمسيرات.

قادة العرب وحكوماتهم جاهدون في تفعيل سياسة «الاعتماد المتبادل» منهجاً ثابتاً في العلاقات الدولية، لتعظيم المصالح المشتركة وتحقيقاً لمصالح شعوبها. ودرءاً للمخاطر والسلبيات، وهم معنيون بتدعيم جسور التواصل مع الغرب وصيانتها عبر اتفاقيات التجارة الحرة والشراكة العربية ـ الأوروبية بهدف جذب الاستثمارات .

واستمالة الشركات المتعددة الجنسيات لتوطيد خبراتها في الأرض العربية، بينما بعض الدعاة والخطباء (يجاهدون) في زيادة عوامل القطيعة بين المسلمين والحضارة وينفخون في نار الصدام الحضاري واستدامة العداوة عبر استدعاء كل ما يذكي الكراهية والأحقاد والانتقام من الذاكرة التاريخية القريبة والبعيدة.

واستحضار الآيات القرآنية والأحاديث النبوية للاستدلال بها على أن الكفار كلهم ملة واحدة وهم أولياء بعض لن يرضوا عن المسلمين وهمهم الكيد للإسلام والمسلمين وكأننا نعيش في حرب صليبية مع الغرب بسبب رسوم مسيئة لرسولنا عليه الصلاة والسلام على يد رسام مغمور معادٍ للإسلام والمسلمين.

لقد غاب صوت العقل عن الساحة الجماهيرية والإعلامية وتسيّد دعاة القطيعة الساحة وخلا لهم الجو وكانت العاقبة إحراق السفارات والأعلام وتدمير المنشآت والاعتداء على الكنائس والمئات من القتلى والجرحى غير الأضرار الاقتصادية للتجار والشركات بسبب المقاطعة.

والغريب ان يحصل كل ذلك تحت السمع والبصر ودون أي تدخل لمنع تلك الكوارث بل إن بعض الحكومات هي التي نظمت تلك المظاهرات فلا يمكن أن تحدث مسيرة جماهيرية في الأرض العربية إلا بإذن أو بإيعاز من جهة رسمية. هل رأيت يوماً مسيرة شعبية تطالب بحقوق الإنسان العربي المهان؟!

هل رأيت تظاهرة جماهيرية تطالب بمحاسبة المسؤولين المقصرين؟! ألف شخص غيبهم البحر بسبب التسيّب والإهمال والاستهتار بقيمة الإنسان ولم تخرج مسيرة احتجاج واحدة؟! الآلاف من السجناء السياسيين تنتهك حقوقهم في السجون العربية من المحيط إلى الخليج ولا توجد صرخة احتجاج واحدة، بينما ينشغل إعلامنا بما حصل ويحصل في (أبو غريب) و(غوانتانامو)!!.

ما كان لعقلاء القوم ـ ساسة وقادة دينيين ـ أن يسمحوا للغضب أن يخرج عن حدود السيطرة ليفسد ويخرب ويدمر ويسيء لصورة الإسلام والمسلمين .

وعلى مشهد من أنظار المجتمع الدولي، فيبادر عقلاء القوم هناك لبذل جهودهم لتدارك الأمر قبل وقوع المزيد من الكوارث ولرأب الصدع وإصلاح ما فسد وانقطع، فيأتي (سولانا) في جولة للمنطقة ليؤكد احترامه العميق، للإسلام والمسلمين، ويعقبه (عنان) مناشداً التهدئة وضبط النفس والاحتكام إلى لغة الحوار البناء لقطع الطريق على دعاة التصادم عند الطرفين.

وأخيراً يتحرك المؤتمر الإسلامي وبعض العلماء، مطالبين الأمة بالانضباط ومستنكرين التجاوزات والاستغلال الانتهازي المسيء وقائلين ان العنف لا يخدم المسلمين.

ويصرح أمين رابطة العالم الإسلامي بأن محبتنا للنبي صلى الله عليه وسلم لا تدفعنا لإيقاع الضرر بالتجار!! ألم يكن الأجدر بعقلاء القوم ـ مسؤولين سياسيين ودينيين ـ ضبط الأمور قبل تفاقمها؟! ومن أساء ـ حقاً ـ للإسلام؟!

ها نحن عاقبنا الأوروبيين بجريرة بعضهم، حتى أن أحدهم قال ـ قبل أن يصبح وزيراً ـ لا نقبل حتى تعتذر ملكة الدنمارك وقال آخرون سنستمر في المقاطعة حتى لو اعتذروا ـ انتقاماً وتشفياً ـ !!

حسناً .. هل نقبل بأن يعاقبنا الغرب بإساءات بعض المسلمين إليهم؟!

هل نرضى بتعميم العقوبة علينا لأن بعض خطبائنا يدعون على الغرب بأن يخرب الله ديارهم ويحرق زرعهم ويُيّتْم أولادهم ويُرّمل نساءهم؟!

ألا يحق لنا الآن أن نتساءل كما تساءل الدكتور محمد جابر الأنصاري في مقالة مهمة بعنوان (من المستفيد من الجريمة؟!) .. لمصلحة من (فخ) الوقيعة بين الإسلام وأوروبا؟

يشير المفكر البحريني إلى الدور الإسرائيلي ويقول (الحقيقة الكبرى هي أن إسرائيل ودوائرها ـ منذ إنشائها ـ راهنت على تخريب العلاقة بين الغرب والإسلام بأي ثمن .. وعلينا أن نعترف أنها حققت نجاحات خطيرة بهذا الشأن).

وبقى أن نضيف إلى ما ذكره، أن المستفيدين ـ أيضاً ـ في الجانبين، هم دعاة الكراهية والتصادم وقطع التواصل الحضاري، هؤلاء الذين يعملون ضد إقامة علاقة صحيحة ناضجة بيننا وبين الحضارة الغربية.

هؤلاء الذين يفسدون الأجواء بمقولات التآمر الغربي والغزو الثقافي والعولمة الخبيثة والحقد الصليبي والعداء الأبدي ضد الإسلام والمسلمين، فهل نعي ذلك ونتداركه قبل فوات الفرصة؟!

كاتب قطري