في العشرين من مارس 2003 قامت الولايات المتحدة الأميركية بقيادة تحالف هزيل ورغما عن معارضة شعبية دولية عارمة للحرب، بمهاجمة دولة العراق العربية بعد حصار محكم منهِك دام قرابة الثلاث عشرة سنة.
جاءت تلك الحرب بعد جهود أميركية كبيرة لاستصدار قرار مثير للجدل من مجلس الأمن الدولي، على أساس أن العراق يمتلك ترسانة من أسلحة الدمار الشامل يهدد بها السلم والأمن الدوليين علاوة على افتراض وجود علاقة حميمة بين صدام حسين وتنظيم القاعدة.
بعد أقل من ثلاثة أسابيع على بدء الحملة الجوية والبرية والبحرية المكثفة وقع العراق بأكمله تحت الاحتلال الأميركي ـ البريطاني وبمساعدة عسكرية صغيرة نسبياً من دول أخرى.
وأحدث السقوط والانهيار السريع لمؤسسات نظام الحكم في العراق فراغاً سياسياً وأمنياً كبيراً حاولت مجموعات المعارضة السابقة للنظام ملأه؛ القسم الأكبر منها أتى من الخارج والقسم الآخر كان موجوداً في الداخل والتي كما يبدو كانت تعمل بصمت خشية من قبضة نظام صدام حسين الفولاذية.
وأسوة بالدول المهاجمة القادمة من خلف البحار والمحيطات اندفعت الدول المجاورة للعراق لأخذ نصيبها من الكعكة العراقية التي بدت سهلة وكبيرة.
وحيث لكل دولة مجاورة للعراق تقريباً وجود عضوي مفترض بسبب تنوع مكونات الشعب العراقي العرقية والمذهبية والدينية والسياسية والفكرية.
داخلياً حدثت طفرة كبيرة فيما يعرف بالحرية والديمقراطية لشعب كان يعاني من نقص خطير مؤلم فيها. نتج عن ذلك بروز صوت الكثير من الطوائف والأقليات والإثنيات بشكل جد مسموع على الساحات المحلية والإقليمية والدولية لم تكن معروفة من قبل، بسبب الاستفادة الهائلة من التطور الكبير في وسائل الإعلام وعلى رأسها الفضائيات القادرة على البث ليل نهار إلى كل أنحاء العالم وعلى مدار الساعة.
أكثر ما يميز وسائل الإعلام تلك هو النزعة الطائفية والمذهبية والعرقية الضيقة التي تؤدي إلى الانعزال والانكماش المؤدي إلى الانفصال الجغرافي والسياسي والفكري لكل منها عند أتباع تلك الطوائف والمجموعات الإثنية.
وبسبب غياب الأمن والسلطة المركزية القوية وانتشار الفوضى انقسمت دولة العراق على نفسها إلى مجموعة لا بأس بها من الدويلات الطائفية والمذهبية والعرقية؛ في بعض الأقاليم تم تجريم رفع علم الدولة السيادي هناك وفي البعض الآخر يرفع العلم العراقي لرفع العتب. في المسيرات الشعبية الصغيرة والعارمة يقزّم ظهور العلم العراقي أمام رايات الطوائف والأحزاب الفاعلة على الساحة.
حل محل السيادة المركزية سيادة مناطقية ومذهبية وطائفية، وتحت شعار القضاء على بقايا الدكتاتورية وقانون اجتثاث حزب البعث شرّعت تلك المجموعات دستوراً فيدرالياً يحاول أن يجمع ما بين تلك الأطراف المتناحرة والمتسابقة إلى الانفصال في بوتقة واحدة، والحد من جنوحها الكاسر نحو تكوين كيانات مستقلة خاصة بها، في الشمال والجنوب وحتى بعض مناطق الوسط.
النتيجة هي أن ما كان بالأمس نظاماً سياسياً يُنظر إليه كقاعدة للتطرف والدكتاتورية وتهديد السلم الدولي تحول إلى مكان لدوامة الصراعات والتجاذبات وتصفية الحسابات المحلية والإقليمية والدولية، تعصف بكيان الشعب والمجتمع العراقي المسالم وتقضي عليه فكراً وروحاً ومادة ومعنى.
الدولة العراقية، وكغيرها من الدول، تشكل فسيفساء فكرية وعرقية ودينية ومذهبية وسياسية يمكن أن يستفاد من تنوعها في سبيل الحفاظ على وحدة هذه الدولة وتطويرها والحد من النزعات الانفصالية المتطرفة والتي إن تنجح ستحول العراق إلى كيان طائفي متناحر.
كل طائفة تسعى إلى تمثيل أوسع في مجلس الرئاسة ومجلس نائب الرئيس ومجلس الوزراء ومجلس البرلمان أو الجمعية الوطنية ومجالس المحافظات والقائم-مقاميات وحتى مجالس السفارات والبعثات الدبلوماسية لوزارة الخارجية، إن صح التعبير؛ ناهيك عن التمثيل المؤثر لكل منها في مختلف دوائر الدولة وفي جميع المجالات والاتجاهات.
ونتيجة للشحن التعبوي الطائفي والديني والمذهبي المتواصل لمدة تقترب من الثلاث سنوات تأججت اشتعالاً كل خطوط التماس بين الطوائف والأعراق والقبائل والعشائر والمحافظات والبلدات المتجاورة والبعيدة عن بعضها، وعلى حد سواء.
ما يلفت نظر المراقب للمشهد العراقي أنه بعد كل خطبة أو خطاب طويل قد يستغرق ساعات طويلة يلقيه أحد المتطرفين في السياسة والفكر الطائفي ينهي ذلك الخطيب كلمته بدعوة صريحة إلى نبذ الفرقة والعداء الطائفي والاحتكاكات المذهبية والتعايش السلمي البنّاء!.
يحدث ذلك الخطاب ذو الأفق الضيق في ظل انتشار ظواهر الفساد والفوضى والبطالة والفقر والعنف إلى جميع جوانب الحياة العامة والخاصة؛ أصبحت المدن والقرى مرتعاً خصباً لما يطلق عليه الإرهاب أحياناً والمقاومة المسلحة ضد الاحتلال وأعوانه أحياناً أخرى.
مما يؤدي حتماً إلى اختلاط الحابل بالنابل والإرهابي بالمقاوم والضحية بالمجرم في مشهد يعيد إلى الأذهان قصص «علي بابا والأربعين حرامي» ولكن بشكل دموي مأساوي هذه المرة.
ووصل الأمر ببعض الفئات إلى القيام بالاعتداء على مقامات الأئمة وأضرحة الأولياء والمساجد وأمكنة العبادة، مما ينذر بويلات ومآس بعيدة المدى ولأجيال طويلة قادمة.
من أجل هذا والكثير من ذاك وغيره بات لا بد للحكومة العتيدة وبتوصية من الاحتلال باستعمال القبضة الفولاذية تتمثل بإنزال دباباتها وعرباتها المدرعة إلى شوارع المدن وخاصة الرئيسية منها في محاولة يائسة للسيطرة على وضع تساهم دويلات الطوائف وبشكل قوي في إشعاله، وكل على طريقته الخاصة.
وبدلاً من أن تصرف الحكومة ومن يدعمها الوقت والجهد والإمكانيات المتاحة لإصلاح الأمور وإنشاء وتطوير مؤسسات الدولة وخدماتها العامة تقوم تلك الحكومة بنشر كتل من الحديد والفولاذ والخرسانة المسلحة لحماية وجودها في شوارع وأزقة وأحياء المدن، وما يتبع ذلك من اعتقالات عشوائية حاشدة تطال في معظمها الأبرياء والضعفاء وحتى أبناء السبيل من الدهماء.
خلاصة القول هنا هي أن المجموعات الطائفية القادمة لإنقاذ العراق من عصور الظلام والدكتاتورية، على حد تعبير البعض، حملت ولا تزال تحمل بين يديها وعلى ظهورها وبألسنها وأسنانها بذور وسلاح فنائها وفناء غيرها.
إن تطور الأمور في الساحة العراقية منذ أن وطأتها قدم أول جندي أميركي إلى الآن يضع العراق أمام عدة احتمالات شديدة المرارة على الشعب العراقي ومن حوله ومن يهتم بشأنه:
الاحتمال الأول الإبقاء على الاحتلال الأجنبي للعراق ومهما اختلفت مسمياته من متعدد الجنسيات أو مشرّع له من مجلس الأمن.
الاحتمال الثاني إقامة حكم دكتاتوري ذي قبضة حديدية بحجة إعادة توحيد البلاد فكرياً وسياسياً وجغرافياً. الاحتمال الثالث دكتاتور ليبرالي! مدعوم من احتلال أميركي طويل المدى؛ دكتاتور أو قرضاي (كرزاي) عراقي، لا يستطيع أن يستغني عن دعم الاحتلال له.
لكن على أرض الواقع فإن من أتى للعراقيين على أساس أنه محرِّر ومنقذ لهم بات اليوم بحاجة ماسة إلى من ينقذه من المستنقع الذي وقع فيه. وما لم يتوقعه الاحتلال من صندوق الاقتراع هو انبثاق نظام ثيوقراطي يعتمد المحاصصة الطائفية والعرقية في توزيع كل المناصب في الدولة.
بسبب ذلك تتطور الأمور من سيئ إلى أسوأ وبوتيرة متسارعة؛ اعترفت بذلك الإدارة الأميركية نفسها حين دعا السفير الأميركي في العراق، زلماي خليل زادة، إلى عدم تسليم الحقائب الوزارية الهامة والحساسة في الدولة إلى غلاة التصرفات الطائفية والعرقية!
جامعة الإمارات