على مدار يومين متواصلين سادت حوارات ونقاشات ساخنة بين القائمين على قطاع النشر والمهتمين بصناعة الصحف من داخل الإمارات وخارجها من ضمن فعاليات مؤتمر الشرق الأوسط للنشر الثاني..

ويصنف مركز دبي للاستشارات والبحوث والإعلام هذا المؤتمر بأنه واحد من أهم 5 مؤتمرات متخصصة في صناعة النشر العالمية. ومشاركة بعض رؤساء اتحادات الصحف العالمية والجمعيات الدولية والمديرين التنفيذيين لمؤسسات نشر ومؤسسات صحافية دولية تعطي وزنا ثقيلا لمثل هذه المؤتمرات.

الراصد لما يدور من حوارات ونقاشات جانبية على هامش جلسات المؤتمر الرسمية يستمتع بسخونة الاختلاف في الرأي والتضارب في الأفكار والتوجهات لأبناء الصنعة الواحدة وهي الصحافة.

ومن المعروف سلفا ان الصحافيين هم من أكثر الشخصيات ثرثرة وحبا للحديث عن إشكاليات الصحف ومشكلات المهنة وهمومها ربما لأن متاعبها بالفعل كثيرة ومتعددة. وربما لأن الصحافي اعتاد الحديث عن القضايا الساخنة التي تعطي بعدا وعمقا للخبر وللتغطية المتميزة مقابل الأخبار الايجابية العادية التي لا تثير ردود فعل أو تحرك ساكنا.

دار حوار جانبي بين رئيس تحرير (الإمارات اليوم) الزميل سامي الريامي حول ما تنشره الإمارات اليوم من قضايا يتم رصدها عبر خدمة الخط الساخن الذي استحدثته الصحيفة مؤخرا لاستقبال مشكلات الناس وهمومها وحاجاتها وبين شخص أخر من المهتمين بالشأن الإعلامي.

وبقدر حماس الزميل سامي وحسه الإنساني العالي بخصوص ضرورة تبني مشكلات الناس والسعي لحلها وجمع التبرعات للمساعدة إيمانا منه بأن هذا أحد أدوار الصحافة ومسؤولية ملقاة على عاتق الصحف.

إلا ان الرأي المخالف كان يركز على ضرورة حل المشكلات من الجذر وليس الاكتفاء بالحالات الفردية. بمعنى أن الصحف لها دور اكبر بكثير من جمع التبرعات لحالات إنسانية فردية يتم عرضها يوميا على صفحات الجرائد لاستعطاف قلوب المحسنين..

صاحب الرأي المعارض قدم نماذج وأمثلة بالقول انه لو كانت هناك أسرة مواطنة مثلا تشكو من صعوبة الحال والحاجة للمادة وكان فيها أعضاء شباب خريجون أو حتى من حملة الشهادة الثانوية فإن الحل ليس في جمع التبرعات لإعالة الأسرة آنيا بل الذهاب إلى جذر القضية وإثارتها علنا في الصحيفة .

وهي مشكلة البطالة التي يعانيها أبناء دولة مزدهرة يأتيها القاصي والداني لتحسين حياته وظروفه المادية في حين أن مواطنيها يشكون سوء الحال وتغلق فرص العمل في وجوههم وهم يخطون خطواتهم الأولى على طريق الوظيفة بآمال تتكسر أمام أعينهم كالزجاج.

مثال آخر لو كان هناك مواطن سقط سقف بيته على رأسه وتلطفت العناية الإلهية بأن كان موقع السقوط بعيدا عن أي عضو من أسرته، فان الحل ليس في البحث عن منزل لهذا الشخص تحديدا وإنما في معالجة جذر المشكلة التي قد يعاني منها المئات من المواطنين في كل مكان.

كأن تسعى الصحيفة إلى تنظيم حملة وطنية لإقامة مساكن لأهالي أحياء كاملة.. جميعنا قرأ واطلع من خلال التحقيقات الصحافية على المشكلات الكثيرة التي يعانيها أهلنا في المناطق النائية..والقصد هنا ان الحالات الفردية التي تعرض لها الصحيفة أحيانا هي تجسيد ووجه لمئات الحالات التي تنتظر حلا جذريا وليس ثانويا..

إلا ان الزميل سامي الريامي كان يصر بأن الصحف لا تستطيع ان تصدر قرارات بهذا الشأن فهذا ليس دورها. وأصر الرأي الآخر بالقول بأن الصحف لا تصدر قرارات ولكنها تستطيع الضغط على أصحاب القرارات، ومن هنا فهي سلطة رابعة وعليها ممارسة هذا الدور!!

في مشهد آخر تضاربت الآراء بين بعض القائمين على المؤسسات الصحافية ومجموعة من الصحافيين حول ما يتردد بخصوص نية صحيفة دولية لإصدار نسخة محلية في الدولة تتضمن الأخبار المحلية لدولة الإمارات.

وساد أخذ ورد حول إفرازات مثل هذه المسألة على الوسط الإعلامي المحلي. قال أحد المشاركين في الحوار إنه من غير المنصف أن تأتي صحيفة دولية وتنافس الصحف المحلية في السوق المحلي .

وقد تعرض رواتب وامتيازات و(حريات) وحصانة، الأمر الذي قد ينتج عنه جريان بعض الصحافيين للفوز بفرصة عمل لديها.. وهو أمر متوقع على اعتبار ان غالبية الصحافيين في الإمارات يحصلون على أدنى أجر مقابل أعلى جهد.

وقال قائل: بانسحاب الكثير من الكفاءات إلى هذه الصحيفة الدولية تكون الصحف المحلية قد خسرت كوادر تدربت فيها لسنوات طوال وكانت قد بدأت من الصفر وتكبدت الصحف الكثير من الوقت والعناء لتعويد كوادرها على العمل بمهنية وحرفية وبنت جسور تواصل بينها وبين مصادرها.

ومن غير المنصف ان تتجه هذه الكوادر اليوم إلى صحف أخرى تستفيد منها من دون تحمل عناء تدريبها او تأهيلها. ورد أحد القائمين على مؤسسة صحافية بالقول: (فليذهب من يريد أن يذهب إلى مؤسسة أخرى حتى لو كانت منافسة) .

وقال آخر: انك تخسر في لحظة ما بنيته في سنوات؟ فعقب مشاغب بالقول: (يوم تعرفون قيمة الصحافي المتميز.. بلاكم ما تدفعون؟! )المهم جدا في هذه المناقشات انها تكشف الهوة الكبيرة الموجودة لدى القائمين على صناعة الصحف في فهم الأدوار الحقيقية المطلوبة منهم، والملفت أيضا ان الاختلافات قد تصل إلى حد التضارب أو النقيض.

والطرح الذي تراه صحيفة ما أبيض وصحيحا، قد تراه صحيفة أخرى أسود وخاطئاً، وتشير بعض الدراسات إلى ان الأمر برمته يعود إلى العقلية التي تدير الصحيفة ونظرتها إلى الأمور، وهذا يعني ان مثل هذه الاختلافات ستظل قائمة وربما تكون هي (الفيصل) الذي يجعل من صحيفة ما تختلف عن الأخرى.

مديرة إدارة التطوير بالمجموعة الإعلامية العربية

Heyamm@albayan.ae