معظم الندوات التي عقدت في منطقة الخليج لدراسة مستقبل أسواق الأسهم فيها، انتهت بالكثير من التفاؤل، وهو الأمر الذي يجعل من التوقعات التي تصدر من «خبراء» توقعات «خيالية».
وليست توقعات مبنية على أسس صحيحة علمية ومحايدة. شبه الانهيار الذي أصاب أسواق الخليج حتى الآن كان جزئياً بسبب أقوال وتصريحات هؤلاء الخبراء، الذي تصدوا لفتح باب واسع من التفاؤل، آمن به كثيرون وصدقوه.
سيدة على الهواء في إحدى محطات التلفاز، تحدثت مع خبير مالي، قالت له: انك قلت من على منصة هذا البرنامج إن المؤشر سوف يصل إلى خمسة وعشرين ألف نقطة منذ أسبوع فقط، والآن تراجع إلى ما دون الثمانية عشر ألف نقطة فما قولك؟، لم يزد «الخبير» إلا أن ضرب في الغيب وقال: انتظري لفترة أخرى وسوف يرتفع المؤشر كما توقعت؟
هذا تقريباً ما ذهبت إليه ثلة من الخبراء في ديسمبر الماضي، حيث التأمت هذه الخبرة المحلية والعالمية بدعوة من إحدى المؤسسات المالية الكبيرة في الخليج، وأجمع المتحدثون «الخبراء» على أن أسواق الخليج المالية سوف تبقى على حالها إن لم تتقدم أكثر خلال عام 2006، وقد حدث العكس وبسرعة.
قرأت في ما مضى نصاً يقول :إذا سمعت سائق التاكسي في بلد ما يتحدث عن سوق الأسهم، فعليك الحذر! ولقد تحدث عن سوق الأسهم ودخلتها كل شرائح المجتمع في دول الخليج. ولعل القول السابق فطنة وحكمة نتيجة خبرة طويلة سابقة.
لقد دخل سوق الأسهم في منطقة الخليج كل من استطاع، وحملت السيدات في بلداننا الكمبيوتر النقال من أجل متابعة المؤشر، وترك آخرون أعمالهم المنتجة حتى يستطيعوا أن يغرفوا من الخير الوفير القادم، وكأن الأشجار تنبت مالاً فوق أغصانها.
سر بذلك السياسيون، حيث وجدوا من يفلسف لهم الأمر بالقول إن هناك طبقة اجتماعية وسطى وكثيفة تتكون، فلا خوف من الهذر السياسي، مادامت أسواق الأسهم منتعشة، كما ساهم الاقتصاديون في ذلك، ووجدوا ضالتهم في الأرقام.
فقد زادت القيمة السوقية الإجمالية إلى سبعة أضعاف في أسواق الخليج بين السنوات الأربع بين عام 2001 وعام 2005، سبعة إضعاف، وهي أرقام لم تكن مسبوقة في أي اقتصاد منتج أكثر مما حققه الاقتصاد الصيني والهندي والروسي وحتى التايواني صاحب الصناعات المتوسعة!
ولم يسأل أحد ما هي أسباب الزيادة في القيمة السوقية للأسهم بهذه الطفرة وبهذه النسبة؟ جاءت بعض الإجابات لتقول إنها زيادة في أسعار النفط، وهل أسعار النفط الحالية، أخذا بالتضخم هي فوق السعر الحقيقي أو أعلى مما كانت قبل عشر سنوات أو يزيد إن حسبنا نسب التضخم؟
لقد تحولت أسواق الأسهم إلى «مغامرة» غير محسوبة النتائج، الكل يعرف أن مثل هذا الارتفاع في الأسعار غير مبرر، وأصبح مصطلح «الهوامير» الذي أطلق في أجواء الكويت يتردد في الصحافة الخليجية.
والهامور لمن لا يعرف هو المضارب الكبير، الذي يدخل عندما تنخفض الأسعار ويخرج بشريحة ربحية ضخمة قبيل الانخفاض، وحقيقة الأمر أن مجموع «الهوامير» هم من يحصد أموال المساكين طالبي الثروة السريعة.
لا يوجد نمو عالٍ في الإنتاج للكثير من هذه الشركات، بعضها في الحقيقة لا أكثر من بضعة مكاتب لم تعمل حتى الآن في بعض دول الخليج، وبعضها لا يعرف غير الراسخين في العلم بماذا تتعاطى.
فالزيادة في القيمة السوقية هي أصلاً ليست بسبب نمو الأرباح أكثر منها المضاربة بعد توفر السيولة التي انجرت إليها المؤسسات البنكية ودخل في شباكها صغار المتمولين.
كل المحيط الاقتصادي والسياسي يقول إن العكس هو الذي يجب أن يحدث عقلاً، فالمحيط الجغرافي تضربه عوامل التوتر الإقليمية من القوة النووية الإيرانية إلى الاضطراب الخشن في العراق إلى عدم الاستقرار شرق البحر الأبيض المتوسط، في المحيط الداخلي لم تحدث تطورات سياسية إصلاحية وقانونية كبيرة ومشاهدة، وليس هناك احتمال لجذب استثمارات دولية كبيرة، كما يحدث في كل من الهند والصين على سبيل المثال.
كل من يعرف شيئاً عن الاستثمار ولو كان بسيطاً، يعرف أن أسعار الأسهم في أسواق الخليج، في الغالب، قد وصلت إلى سوية عالية مقارنة بقيمتها الحقيقية، وأن معظم إدارة الشركات ونظم المحاسبة في بعضها بدائية، كما أن الأرقام المتوفرة، لا تتيح تحليل البيانات بصورة صحيحة، حيث إن مصادر تلك البيانات غير دقيقة ولا تتمتع بالشفافية والرقابة في الكثير من الأسواق.
الحاجة الماسة لإصلاح عمل أسواق الأسهم في الخليج لم يتلفت إليها احد بعد، ومن فعل ذلك قام به على استحياء، كما حدث في الكويت بعد انهيار الأسعار في ما سمى قضية «المناخ» المشهورة والتي ما زال البعض بعد سنوات طويلة يعاني منها الأمرين. إنها أسواق تحتاج إلى الكثير من القوانين التنظيمية، قبل أن يسف المستثمرون الصغار التراب.
بيت القصيد أن النفط «منتج سياسي» وليس سلعة تتداول حسب أسعار السوق، ويمكن بتدخل سياسي أن يصبح سعره غير السعر المعروض صعودا أو نزولا، وضرورة العمل على مستوى مجلس التعاون لضبط آليات أسواق الأسهم ومراقبة أدائها، هي عملية أصبحت ملحة بعد أن كانت مطلوبة.
من يتحدث عن «تصحيح» في أسواق الأسهم في الخليج ليفسر ظاهرة التراجع الحالية، يستعير مسكنات ومهدئات وقتية لتلافي الحديث عن الحقيقة، الحقيقة التي يجب أن تعرف أن هناك تضخماً في الأسعار ليس مبنيا على الإنتاج الحقيقي للشركات، بل هي أسعار مصطنعة.ولا توجد رقابة حقيقية على غسيل الأموال التي يتحدث عنها الكثير من الكتابات الدولية.
كما لا توجد شفافية وضبط لأطر المضاربة، على طريقة اضرب واهرب، أو مرجعيات للتحكيم وإعلان الإفلاس، أو مراقبة دقيقة لأعمال الشركات، خاصة تلك التي تستقطب بسبب أسمائها العدد الأكبر من المستثمرين.
لقد انساق عدد ضخم من المواطنين في الخليج وراء الإثراء المرسوم شكلا في الأفق، ووظفت أموال كثيرة فيها، منها ما هو تحويل أصول منتجة إلى سائلة، أو ديون من المؤسسات المالية المختلفة، بعد التراجع الحالي أصبح الأفراد والجماعات ينظرون إلى مدخراتهم وهي تتبخر.
وتنوء ظهورهم بالهموم، كل ذلك يخلق شعوراً بعدم اليقين، ويهرب الاطمئنان. الهم الأكبر هو النتائج الاجتماعية وربما السياسية على مثل هذا التدهور.
وربما أول غيث الإنقاذ هو إعادة الثقة للأسواق، عن طريق النظر في التشريعات القائمة وسد ثغراتها المعروفة لأهل الذكر. والموضوع أهم من أن يترك «للخبراء» الماليين، الذين أمطرونا رؤى وردية حتى أشهر خلت بتفاؤلهم غير الحذر.
كاتب كويتي