«حقوق الإنسان» موضوع رائج، يستمد رواجه من كونه حاجة ومطلباً، لا يختلف حوله اثنان، مفهومه شهد الكثير من التوسع. يتمدد انتشاره مع مدى تطوره، الذي مرّ بمراحل ومحطات مختلفة، في المجتمع المعاصر تحولت هذه الحقوق إلى مسلمات لا جدال فيها، بل صارت أحد شروط انتساب المجتمعات إلى نادي الأمم المقبول التعامل السوي معها.
غيابها عن هذه الساحة أو تلك صار وصمة. وأحيانا صار مبرراً للعزل، وتوكيداً على تعزيز حرمة هذه الحقوق وعدم التهاون مع انتهاكها، قامت منظمات وجمعيات حقوق الإنسان التي فرخت في معظم بقاع الأرض، لتكون الناطور والرقيب الساهر على حماية ما لبنى آدم من أوليات لصيقة بوجوده، الذي لا يستقيم ويتجوهر إلا من خلالها والتمتع بها.
ومن هنا أيضاً كانت الحاجة لإنشاء مفوضية خاصة في الأمم المتحدة باسم «المفوضية السامية لحقوق الإنسان»، الموكول إليها العمل من أجل حراسة وتعميم وترسيخ هذه الحقوق كمفهوم وكممارسة.
في منطقتنا العربية تأسست منظمات وطنية عدة في هذا المجال، وقد عقدت هذه المؤسسات مؤتمرها الثاني، الذي افتتح أعماله أول من أمس في الدوحة، بمشاركة مفوض الأمم المتحدة والعديد من أهل الشأن والخبرة.
ونوه المفوض بالخطة الاستراتيجية للمنظمة الدولية بخصوص «تطوير وحماية حقوق الإنسان على المستويات الوطنية والاقليمية والدولية»، والتي كانت القمة العالمية، في مايو الماضي قد أثرت خطة عملها.
لاشك في ان مثل هذه النشاطات والمؤتمرات تصب في تزخيم ثقافة حقوق الإنسان. وهو أمر مفيد وضروري ومطلوب. الاشكالية التي تقف في طريق تمدد مثل هذه الثقافة تتمثل في أمرين اثنين هما الازدواجية والاستنساب، فمع دخول التسييس إلى هذا الحقل، الذي كان من المفروض الحرص على نقائه، سادت ازدواجية المعايير والانتقائية.
فالتبست الأمور وأحاط الضباب بالمفهوم، التعذيب في سجون العراق تحت الاحتلال تمت ممارسته كسياسة، في ظل تكتم عميق ولفترة مديدة. وحين انفضح أمره، قوبل بالنكران والتنصل لينتهي الأمر عند عدد صغير من المرؤوسين ككبش محرقة.
كذلك حصل انتهاك لأبسط حقوق الإنسان، على مدى سنوات، للمعتقلين في سجن غوانتانامو، ومن دون ان يكون لمراعاة هذه الحقوق أي اعتبار. بل مع الرفض لتصنيف ما جرى في باب الخروقات، وأكبر نموذج على مثل هذه الازدواجية كان ومازال في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
حيث تجري حماية ممارسات الاحتلال الإسرائيلي الفاضحة في انتهاكاتها لحقوق الإنسان الفلسطيني، المستمرة والمجافية لكافة المقاييس والأعراف المتعارف عليها، ليس ذلك فحسب بل ان الانتقائية باتت القاعدة المعمول بها من جانب أصحاب الحل والربط، حيث تنفتح عيونهم من بوابة حقوق الإنسان من يريدون تصفية الحساب معهم، ويغمضونها حيال المنتهكين الآخرين، لتوافق المصالح.
ان مقتضيات الاستقرار الاجتماعي والسلم العالمي تقتضي تعزيز ثقافة حقوق الإنسان وتطبيقها كقانون، لكن مثل هذا القانون لن يستقيم وضعه موضع التنفيذ إلا إذا تم تطبيقه كأسنان المشط، على الجميع.