يبدو أننا نشهد حالياً، فصلاً جديداً من فصول الصراع العربي الإسرائيلي فصلاً لم نعرفه من قبل ولم نر تفاصيله بهذا الوضوح وبهذا القدر الكبير من القوة والمواجهة، التي لم تطلق فيها طلقة رصاص واحدة، أو يسال فيها دم، أو يهدم فيها منزل، أو يغتال فيها مقاوم، أو تقتلع فيها شجرة زيتون، أو تصادر فيها أراض لبناء جدار الفصل العنصري.

ميدان المواجهة الجديدة، لم يكن شارعا في نابلس، أو حيا من احياء القدس، أو مدينة من مدن غزة، وانما مواجهة فى كل هذه الأماكن، يتم فيها استحضار كل تفاصيل الصراع الممتد منذ عقود والمرشح إلى الاستمرار مدة مماثلة.

الميدان الجديد هو ميدان الفكر والابداع، الذي اختزل من كل تفاصيل الصراع المرير والعنيف والدامي، كل ملامح المشهد الراهن، ليقدمها في صورة عمل فني يفضح الكثير من جوانب الصورة التي حاول الطرف الآخر ـ إسرائيل ـ ترسيخها في أذهان الغرب، ليمنعه من التعاطف مع قضيتنا العادلة.

فيلمان مرشحان للأوسكار ومسرحية هم نجوم المواجهة الحالية. الفيلم الأول بعنوان «الجنة الآن»للمخرج الفلسطيني هاني أبو أسعد، يتناول الساعات الاخيرة في حياة فدائيين فلسطينيين.

وهو بالتأكيد ما لم يعجب الاسرائيليين الذين يرونه ممجدا للعمليات الفدائية من ناحية، ومن ناحية أخرى يفضح الظروف والوقائع التي تدفع شابا فلسطينيا إلى التعبير عن غضبه من اذلال وقهر الاحتلال بهذا الشكل العنيف. لهذا لم يتردد احد الإسرائيليين عن القيام بحملة تمكن خلالها من جمع 20 ألف توقيع لمحاولة منع ترشيح هذا الفيلم لجائزة الأوسكار.

لكن رغم هذا الحصار الذي اعتاد الإسرائيليون، فرضه على الشعب والأرض الفلسطينية، إلا ان الفيلم نجح في توصيل رسالة مهمة، هي كما عبر عنها ديفيد سلوكوم استاذ التاريخ السينمائي في جامعة نيويورك بالقول ان فيلم «الجنة الآن» يبرز بقوة مشاعر الإحباط والظروف اللاانسانية التي يعيشها سكان الأراضي المحتلة.

اما بيل داديو أستاذ علم الاجتماع في جامعة جورج تاون فقال ان «الفيلم يظهر وجها مختلفا للفدائيين.. فالعالم الغربي يرى ان وراء تحول هؤلاء إلى قنابل بشرية شعور بالإذلال والفقر..

إلا ان الحقيقة هي أنهم أشخاص لديهم شعور بإنكار الذات يقومون بهذا الفعل لأن لديهم احساسا بالمسؤولية وبأن من واجبهم العمل باسم المحرومين». ويرى ان «الجنة الآن» يمكن ان يدفع البعض إلى فهم الوضع بشكل أوضح».

الفيلم الثاني بعنوان «ميونيخ» للمخرج الأميركي ستيفان سبيلبرغ، يتناول الاغتيالات التي نفذتها إسرائيل بعد مقتل 11 رياضيا ومدربا إسرائيليا في دورة ميونيخ للألعاب الاولمبية عام 1972.

ويقدم صورة واضحة لهذه الجريمة التي تمت بعيدا عن أعين القانون، وكشفت عن رغبة قوية في الانتقام، الأمر الذي جعل الإسرائيليين يوجهون سهام النقد له، لمحاولته دق جرس الإنذار بشأن الجرائم التي ترتكب دائما من جانب إسرائيل خارج اطار الشرعية الدولية.

لكن رغم حملة النقد هذه إلا ان الفيلم أوصل أيضا رسالته، بدليل تصريح أوردته وكالة الانباء الفرنسية للجنرال الإسرائيلي مايك هرتسوغ العضو في المنتدى الفكري (معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى) .

وقال فيه إن «ميونيخ» يثير تساؤلات مفيدة، وعلى المجتمع المنفتح الا يشعر بالخجل من التساؤل ..هل من المقبول أخلاقيا قتل أشخاص بلا محاكمة وهل هذا أسلوب ناجع؟ وهل يساعد ذلك على وقف الإرهاب؟ على حد قوله.

اما المسرحية فهي بريطانية وبعنوان «اسمي راشيل موري»، وتتناول حياة الناشطة الأميركية راشيل كوري التي قتلت في مارس 2003 سحقا بجرافة تابعة للجيش الإسرائيلي في قطاع غزة بينما كانت تحاول منع هدم منازل فلسطينيين.

وكان من المقرر عرضها هذا الشهر على مسرح «نيويورك ثياتر ووركشوب» فى نيويورك، لكن المسؤولين عن المسرح الغوا العرض بحجة «الخوف من رؤية اطراف النزاع في الشرق الأوسط يستخدمون هذه المسرحية للدفاع عن مواقفهم».

وتقول الصحافية البريطانية كاترين فاينر التي اشتركت مع زميل لها في كتابة هذه المسرحية تعليقا على منع عرضها: «إذا كان صوت مثل صوتي لا يمكن اسماعه على خشبة مسرح نيويوركي، ماذا سيكون حظ الآخرين في ذلك؟». بالتأكيد ان صوتها سمع حتى ولو لم تعرض المسرحية، وكذلك الرسالة التي تحملها، والتي تفضح الممارسات الإجرامية لجيش الاحتلال.

لكن وهنا السؤال يطرح نفسه: هل نحن مستعدون فعلا لنقل الصراع مع إسرائيل إلى ساحة الفكر والإبداع والثقافة؟ أم أن حظنا في هذا الميدان سيكون مثل حظنا في الصراع العسكري مع إسرائيل؟

نأمل إلا نصاب بخيبات وانكسارات فى المواجهة في ميدان الابداع، لكن هذا الأمر يتطلب بالتأكيد ان نحرر الفكر والابداع من القيود السياسية والخيبات التي أوصلت الأمة إلى هذه النتيجة، وان نطلق العنان لابداع نظيف لا تطاله قيود سلطوية عقيمة، أو مقص رقيب جاهل من العصر الحجري.