يزور السودان هذه الأيام كبير أساقفة كانتربري الدكتور روان ويليامز، الذي وصل الخرطوم مساء السبت الماضي في صحبة كل من أسقف مطرانية سالزبوري ومطرانية برادفورد التي يقطنها عدد كبير من المسلمين الآسيويين حتى وصفها أحد الساسة العنصريين في أوائل السبعينات بأنها لا تنتمي الى بريطانيا الا بحكم موقعها الجغرافي!

وكانتربري هي رئاسة الكنيسة الأنجلكانية في العالم، مثل الفاتيكان بالنسبة للكنيسة الكاثوليكية، الا أنها لا تعتبر منطقة مستقلة عن الحكومة البريطانية شأن الفاتيكان بالنسبة لايطاليا.

وتنتشر الكنيسة الأنجلكانية في كثير من أنحاء العالم، خاصة في المستعمرات البريطانية السابقة مثل كندا والولايات المتحدة واستراليا ونيوزلندا وعدد من الدول الافريقية مثل نيجيريا والسودان وغيرهما.

ولمراعاة الحساسية الوطنية اتخذت الكنيسة الأنجلكانية خارج الجزيرة البريطانية اسما جديدا لها هو «الكنيسة الأسقفية»، ولعلها تلك الكنيسة في أميركا هي التي سبقت غيرها بالدعوة لاسم جديد مختلف!

وينتمى الدكتور ويليامز، شأن معظم من تسنموا كاتدرائية كانتبري، للنخبة الانجليزية العريقة التي انحدرت من أسر كبيرة ونالت تعليمها العالي في كل من كمبردج أو أكسفورد (وقد جمع ويليامز بين الحسنيين)، وتخصص في علم اللاهوت (وهو ما يقارب العقيدة وشيئا من الفقه في التراث الاسلامى).

وقام بتدريس اللاهوت لعدة سنوات في كل من كمبردج وأكسفورد التي سبق له أن نال منها درجة الدكتوراه عام 1975م(موضوعها المسيحية في روسيا)، وتعمد ويليامز الرئيس رقم (104) لأساقفة الكنيسة الأنجلكانية في يوليو من عام 2002م .

والذي عادة ما يتقاعد عضوا في مجلس اللوردات، ويتحدث ويليامز الانجليزية بلهجة أرستقراطية طلقة فخيمة تطرب الأذن والعقل كتلك التي قصدها برنارد شو علامة للأرستقراطية الاجتماعية في مسرحيته الشهيرة «سيدتي الجميلة».

يستمر برنامج الدكتور ويليامز المزدحم لأسبوع كامل شمل زيارة لمدينة الفتح في شمال أم درمان ليطلع على نشاط الكنيسة الأسقفية في أوساط النازحين، واستقبال جماهيري أعدته مطرانية الكنيسة بالخرطوم في دارها الرحبة بحي العرضة، واستقبال آخر مساء اليوم نفسه أقامه السفير البريطاني تغيبت فيه الوجوه الحكومية من المؤتمر الوطني!

وفي صباح اليوم التالي بدأ البرنامج بزيارة للنائب الأول لم تخل من هرجلة الاعداد التي عرف بها القصر الجمهوري منذ أن فارقه الرئيس نميري والمايسترو بهاء الدين ادريس.

مما أدى الى تأخير الفقرة التالية نصف ساعة كانت من نصيب ملتقى الدعاء من أجل السلام الذي نظمه مجلس التعايش الديني السوداني في قاعة الصداقة وصورته قناة الجزيرة الفضائية، تلا ذلك مقابلة مع الأستاذ علي عثمان محمد طه نائب رئيس الجمهورية.

وعشاء في ذات اليوم من وزير الارشاد والأوقاف الدكتور أزهري التجاني، ثم مؤتمر صحافى عقد بكاتدرائية كل القديسين في شارع (1) بالعمارات. ويزور وفد الكنيسة الأنجلكانية في الأيام التالية كل من الرنك وملكال وجوبا قبل أن يغادر البلاد مساء السبت المقبل.

قصد الدكتور ويليامز من زيارته الاطلاع على خطوات تنفيذ اتفاقية السلام الشامل، ودعم نشاط الكنيسة الأسقفية، وتشجيع الحوار بين المسلمين والمسيحيين وقد سبق له أن قام بذلك في بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية وسراييفو.

اشتمل برنامج ملتقى الدعاء من أجل السلام على كلمة من الدكتور أزهري التجاني الذي ترأس الجلسة عن خطة وزارته في رعاية التدين بالسودان، وترحيب من كبير أساقفة الكنيسة الأسقفية الدكتور جوزيف مارونا.

ذكر د. ويليامز ان من أهم قواعد التعايش السلمي بين الناس هو استعداد المرء للاستماع للشخص الآخر والاعتراف بالخطأ والعدالة في التعامل خاصة فيما يتعلق بالثروة والسلطة، وأن شعوب السودان المتنوعة تستطيع أن تجعل هذا البلد نموذجا للآخرين اذا ما تحقق السلم في كل ربوعه وتفرغ للبناء والنهضة.

وأنه متفائل بما شاهده في هذه الزيارة من حرص المسؤولين في البلد على المضي قدما في تحقيق السلام، وأشاد بما قام به مجلس التعايش الديني من خطوات جادة وواضحة في بناء الثقة وخدمة السلام.

وأوضح وزير الارشاد في كلمته أنهم ملتزمون بما جاء في اتفاقية السلام عن دور الدين الذي ينبغي أن يكون مصدر قوة والهام لأهل السودان، وبحقوق المتدينيين من حرية الضمير والعبادة وعدم التمييز على أساس ديني أو عرقي.

وأن وزارته وضعت خطة لنشر التوعية الدينية في المجتمع ورعاية المؤسسات الدينية المختلفة، وتوظيف القوى الدينية من أجل السلام الاجتماعي..

ونشر التسامح والتعايش، واصلاح المجتمع وترقيته على أساس التوجيه والارشاد الديني، ودعا المواطنين في الشمال والجنوب لدعم الوحدة الوطنية. وجاء تعقيب الصادق المهدي كعادته مكتوباً.

وفي نقاط محددة وفقا للزمن القصير الذي أتيح له، قال ان أهمية الدين زادت في حياة الناس وفي شؤون الحياة العامة مما يستدعي وضع ميثاق له من قبل الأمم المتحدة وبين أهل السودان وأن اتفاقية السلام رغم دورها المشهود في وقف الحرب الا أنها ليست شاملة لا في أطرافها ولا في موضوعاتها وينبغى أن تستكمل لتحقق اجماعا وطنيا.

ركز تيلار دينق في كلمته القصيرة على أن ما نفذ من اتفاقية السلام مقدر وما شاب ذلك التنفيذ من بطء ليس بسوء قصد ولكن لأسباب عملية بحكم وجود الحركة خارج السودان وما تقتضيه الخطوات من وضع الدستور أولا قبل تكوين الحكومة، وأن المتفاوضين في نيفاشا كانوا غير واقعيين في تحديدهم لتوقيت برامج التنفيذ.

كاتب سوداني