تقوم استراتيجية الإصلاح الأميركية في المنطقة العربية على هدف تجفيف منابع الإرهاب من خلال إحداث قدر صغير أو كبير من الإصلاح السياسي وبدرجة أقل الإصلاح الاقتصادي في المنطقة العربية، وتحديداً في دول الثقل السياسي والاستراتيجي كالمملكة العربية السعودية ومصر وسوريا..

ورغم أن البعض قد يجد في الدعوات الأميركية للإصلاح قدرا من الشيزوفرينيا السياسية وضرباً من التمني اليوتوبي وأحد شواهد الافتقار للمصداقية في المنطقة، إلا أننا مع ذلك نعتقد أن قدراً مهماً من التغيير قد جاء على المنطقة في هذا المجال وتحديدا في دول الثقل العربية..

فنحن لا نستطيع أن ننكر أن قدرا من التغيير قد أصاب النظام السياسي المصري، وأن هذا القدر رغم محدوديته، قد سمح ولأول مرة في تاريخ مصر الحديث والمعاصر، أن تكون هناك انتخابات مباشرة لرئيس الجمهورية.

وأن يتم فيها منافسة مرشح الحزب الوطني الحاكم من قبل بعض أفراد جماعات المعارضة الليبرالية، مع إقرارنا بالطبع أن هذه العملية قد أُخضِعت لقدر من الضبط القانوني لضمان فوز مرشح الحزب الوطني الحاكم... كما أنه ولأول مرة في تاريخ الانتخابات البرلمانية المصرية، يتم فيها فوز جماعة مصرية معارضة بما يقترب من ثلث مقاعد البرلمان المصري(88 مقعدا).

من ناحية أخرى فإن الضغط الأميركي على السلطة الفلسطينية للإسراع في الانتخابات البرلمانية، قد أتاح لحركة حماس بأن تفوز بما قدره 48% من مقاعد البرلمان الفلسطيني، بل تأهُلها وحدها لتشكيل الحكومة الفلسطينية القادمة رغم المعارضة الإسرائيلية. وتبقى مسألة الشروع في الانتخابات المحلية السعودية.

وتلك التغيرات التي جاءت على رموز الحكم في سوريا كما الارتفاع النسبي لهامش الحرية فيها وكذا انسحابها من لبنان، إن هما إلا نتاج للاستراتيجية الأميركية المتلكئة. إلا أن هذه الاستراتيجية قد منيت بضربة قوية بسبب تلكؤ الحالة العراقية وعسر استقامتها.

فتلكؤ تحول العراق إلى نظام عصري، قد يعزى لأسباب كثيرة قد لا يكون بينها فحسب الأخطاء الاستراتيجية الأميركية على مستوى الداخل العراقي، وإنما سلوك وفعل القوى السياسية والاجتماعية العراقية ذاتها التي تتحمل قدرا ليس بقليل من اللوم، بالإضافة إلى سلوك دول الجوار العربية وغير العربية ورغبة البعض فيها من إيصال النموذج العراقي لحالة من الفشل.

أو لنموذج فاشل لا يمكن تعميمه أو الاعتداد به، أو ساحة للابتزاز السياسي، بل إن التطورات الأخيرة في الحالة العراقية رغم كلمات وإعلانات الوحدة ونبذ الفرقة فيما بين قواها المختلفة، بدت تدق المخاوف من انتشار فيروساتها في عموم المحيط الجغرافي القريب.

لقد أوصلت أطراف عربية وأجنبية: حليفة ومعادية لأميركا، النموذج العراقي لحالة ليس كما تقول وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس أقرب إلى «الفوضى الخلاقة» وإنما باتت هي عند البعض، أقرب إلى حالة من حالات «الفوضى المُدمِرة».

والتي بفعلها باتت دول الجوار الحليفة والمعادية تدرك خطورة استمرار حالة اضطراب الحالة العراقية على نسيجها الاجتماعي ونظامها السياسي.

بل إن منعطف العنف الأخير الذي جاء كنتاج لتفجير ضريح الإمامين الهادي والعسكري، إن هو إلا نتاج لعمليات الشحن السياسي والأيديولوجي الذي مارسته بحق العراق القوى السياسية الدينية العراقية بكل تلاوينها واصطِفافاتها، وأجهزة الأعلام العربية المختلفة من صحف وفضائيات بالإضافة لأنظمة سياسية عربية وأجنبية.

فمواقف اللامبالاة العربية بالإضافة للشحن الطائفي والإيديولوجي لحالة الاختلاف والفرقة في المجتمع العراقي، لم تقد إلا إلى تشتت سياسي وتمزق اجتماعي وافتراق مذهبي، وهي حالة باتت تصيب بقذائفها وشظاياها المحيط الخليجي كما هو العربي في عمومه.

من ناحية أخرى فإنه إذا ما أبدى الأميركيون في مطلع هذا العقد اندفاعة قوية وشرسة نحو إحداث إصلاحات سياسية كبيرة في المنطقة العربية توجت باحتلال العراق، وإسقاط أحد أشد الدكتاتوريات العربية قسوة وصلافة.

وتلكؤ مسيرة بناء الدولة الحديثة فيها، فإن النصف الثاني من هذا العقد بات يشهد تحولاً مهماً في الإستراتيجية الأميركية يقوم على المزج بين سياسة تمنح قدرا من الأولوية للاستقرار على التغيير السريع، أو كما يقول ياسين الحاج إحداث قدراً من التغيير المتدرج أو «التغيير المتحكم» فيه على التغيير المنفلت عن السيطرة.

وقد بدا هذا التوجه الجديد واضحا في قبول الإدارة الأميركية بنتائج الانتخابات الفلسطينية والمصرية ولربما سعيها ليس لمواجهة القوى الإسلامية الفائزة وإنما استدراجها نحو قدر من الواقعية السياسية والقبول بثوابت السياسة الأميركية في المنطقة العربية ومنها إستراتيجية العلاقة مع إسرائيل.

والقبول بحقيقة سكونية الدولة العربية وعسرها على التغيير. الأمر الذي فسر من قبل البعض في المنطقة العربية على أنه تغليب لنزعة التغيير المتدرج على النزعة المشوبة بالفوضى وإن كانت خلاقة.

ومع ذلك فإن التجربة العراقية ستبقى بما تحمل من مفاجآت، مختبرا مهما للتشكيل المرتقب في السياسة الأميركية في المنطقة، هذا المختبر الذي لم تعد الولايات المتحدة الأميركية المُحدد الوحيد لعناصر تفاعلاته الداخلية، وإنما باتت أطراف أخرى كإيران وتركيا وبعض من دول المنطقة الأخرى ومنظمات إرهابية إقليمية أو عالمية ولربما قنوات فضائية عربية، مُشكلة ومؤثرة في تفاعلاته الداخلية.

فاستمرار التدهور الأمني والشحن المذهبي كنتاج للصراع على حصص الأفراد والجماعات من المركب الجديد للقوة في العراق، وصل ذروته في تدمير مرقد الإمامين الهادي والعسكري وما تبعه من تدمير واستباحة لمساجد ودور عبادة، وهو في جله أو بعضه، إن هو إلا تأكيد على استعصاء الحالة العراقية من أن تتحول إلى نموذج قابل للتبني في منطقة بدت في بعض أو جل مواقعها عصية على الإصلاح أو مستعصية عليه.

كاتب بحريني