الموقف الذي اتخذه وزراء الخارجية العرب، في اجتماعهم بالقاهرة حول توفير «الدعم السياسي والمالي» للشعب الفلسطيني، يأتي في وقته. كما انه يأتي تعبيراً عن شحنة زخم جديد لتضامن عربي، أصابه الضمور في الآونة الأخيرة، مع الوضع الفلسطيني.
صحيح ان التعبير عن مثل هذا الدعم يتردد باستمرار. لكنه هذه المرة يتميز بتوقيته وحجمه ونوعيته، فضلاً عن انه ينطوي على مسحة من «الانتفاضة» بوجه الهجمة التي تستهدف هذا الوضع.
ومن هذه الزاوية فهو يشكل نوعاً من العودة إلى خندق النهوض بالالتزامات العربية ـ ولو بالحد الأدنى ـ تجاه القضية الفلسطينية. وفي ذات الوقت هو بمثابة صيغة رد على محاولات الاستفراد وفرض العزلة على الحكومة الفلسطينية الجديدة، حتى قبل أن تبصر النور.
وللقرار الذي أصدره مجلس الجامعة العربية برئاسة دولة الإمارات، من أجل التحضير لجدول أعمال قمة الخرطوم، أكثر من بُعد إيجابي:
أولاً: القرار صدر بالإجماع مع الإعلان عن الالتزام الكامل، بترجمة الدعم.
ثانياً: هو يجيء في لحظة يعاني فيها الوضع الفلسطيني من حالة شبه اختناق، حيث توالت خطوات المقاطعة والعزل ضده ووقف المساعدات المقررة له. بل حرمانه من أمواله ـ الضرائب ورسوم الجمارك التي تحصّلها إسرائيل على البضائع الفلسطينية ـ بهدف تركيعه وتجويعه، عقاباً للشعب الفلسطيني على ممارسة اختياره الانتخابي الديمقراطي.
والأهم من ذلك ان القرار بتوفير الدعم قد تم اتخاذه مع العزم على تنفيذه، بقطع النظر عمن يكون في موقع القيادة والسلطة الفلسطينية. عملياً هو دعم لحركة «حماس» وحكومتها القادمة.
وبالتحديد دعم مالي. والرسالة هنا، أن قطع المساعدات الخارجية، بسبب وجود حماس في السلطة، لن يكون له تأثير، بوجود البديل العربي. ومثل هذا الاستعداد الصريح، معطوفاً على عودة الموقف الأوروبي عن مقاطعته واستئنافه للمساعدات من شأنه أن يحبط محاولات الحصار واستهدافاتها المختلفة للساحة الفلسطينية.
ربما كانت من باب المصادفة الواعدة أن يتجدد مثل هذا الدعم العربي للوضع الفلسطيني، في لحظة يستعد فيها الأخير للدخول في مرحلة جديدة. يضاف إلى ذلك ان هذا التجديد يحصل عشية انعقاد قمة عربية، من المفترض أن تكون ذات أهمية خاصة، نظراً للظروف القاسية التي تعيشها المنطقة، بسبب التهاب أكثر من ساحة فيها.
وليس أقل أهمية أن يصادف حصول ذلك قبل أسابيع قليلة من موعد الانتخابات الإسرائيلية والحكومة التي سوف تتمخّض عنها والتي تشير كل الدلائل بأنها ـ كائن من كان رئيسها أو تركيبتها ـ عازمة على القيام بهجوم تصفوي نهائي للقضية.
واستقواء الوضع الفلسطيني بغطاء عربي ولو على مستوى الدعم، من شأنه أن يصبّ في تعزيز القدرات الذاتية الفلسطينية وتمكينها من الصمود بوجه الهجمة، إن لم يكن القدرة على صدّها. ولكن لهذا التمكين شرط آخر: تسلح الفلسطينيين بوحدتهم الوطنية وترجمتها على الأرض.