فكرت بيني وبين نفسي أن أقوم بجولة ميدانية نيابة عن كل أولئك الذين أعجزتهم قضية توظيف المواطنين العاطلين عن العمل، دون ورق رسمي، ودون إعلان، ودون حاجة لأرقام وإحصاءات.

فقط أردت أن أكون انطباعاً من خلال المشاهدة، الواقع كما يقولون، وخير واقع هو أن تتجول بحرية ومن دون أية قيود وسط إدارات وأقسام وطوابق هيئات ومؤسسات وشركات وطنية، لا يعرفك أحد، ولا تعرف من بين موظفيها أحداً، تقتحم هذا المكتب.

وتمر دون استئذان وسط الأبواب الموصدة، وتدعي انك تائه مرة، وتستهبل مرات أخرى، وحتى لا انكشف استخدمت نظارة سوداء كما في الأفلام، خوفا من ان تكون الصورة التي تطالعكم كل يوم أعلى هذا الكلام قد لفتت انتباه أحد.

لن أقول لكم إنني صدمت خلال الجولة، فهذه كلمة عادية وتستخدم كثيراً، فهل أقول إنني صعقت؟ ربما؟ ولكنها لا تزال غير معبرة عما خرجت به يمكن لو قلت لكم إنني «شدهت» وهي مشتقة من «مشدوه» ربما تفي بالغرض إن كانت مفهومة.

وأظن أن القصد قد وصلكم، وليته يصل إلى أصحاب الشأن، أولئك الذين مازالوا مختلفين حول الأرقام والنسب، ومن أين نبدأ، وكيف نبدأ، والطين يزداد بلة، ونداءات الاستغاثة تصم الآذان.

كانت جولة «تسكع» جلست بين المراجعين في صالات الانتظار، وعند أبواب المديرين، وفي مكاتب السكرتيرين، وسألت عن «زيد» في مكان وعن «عمرو» في أماكن أخرى، ودققت في كلام هذا وعمل ذاك، ورصدت بعين عدد المواطنين، وبالعين الأخرى غيرهم.

وركزت على المهام إن كانت خارج نطاق استيعاب أهل الوطن، ولم يفتني العمر، فقد أخلط ما بين الخبراء والمتدربين، فإذا بتسعة أعشار غير المواطنين هم من المتدربين المبتدئين الذين لا تخطئ إذا رأيتهم في الخروج بنتيجة واحدة وهي أنهم لم يعملوا في غير هذا المكان أبداً.

هيئات وطنية اتحادية، ومؤسسات ودوائر محلية، وشركات حكومية، وبنوك، وشركات تأمين مساهمة عامة، كلها تغص بالأجانب الذين لا تتطلب أعمالهم خبرات أو ميزات خاصة، ابتداء من موظفي الاستعلامات وانتهاء بالواقفين خلف «الكونترات» يسجلون الطلبات ويملأون الاستمارات، مروراً بالمحاسبين الذين لا يقومون بأكثر من إدخال المعلومات.

لم أصدق نفسي عندما أنهيت الجولة حتى انزع النظارة السوداء، فليت من يعنيهم الأمر يلبسون نظاراتهم السوداء فقد تعينهم على النظر!!

myousef_1@yahoo.com