تجاوز العراق واحدة من اكبر الازمات التي كادت تجر البلاد الى حرب طائفية خلفها تفجير مرقد الامامين علي الهادي والحسن العسكري في سامراء. لكن ليس كل مرة تسلم الجرة كما يقول المثل الدارج، اذا لم يتحرك القادة العراقيون بشكل اوسع باتجاه تشكيل الحكومة والعمل على قمع فرق الموت ومليشيا القتل على الهوية وعصابات «الرداء الأسود» التي ظهرت بشكل سافر في الهجمات الأخيرة.

اعتقد البعض بعد الانتخابات التي جرت في منتصف ديسمبر الماضي، ان أبواب العمل السياسي باتت مفتوحة لاخراج العراق من دوامة العنف التي ظلت تعصف به منذ الغزو الانجلواميركي في مارس 2003.

وان مشاركة العرب السنة في عملية الاقتراع، جواز مرور لتشكيل حكومة وحدة وطنية تجمع جميع ألوان الطيف العراقي التي اختارت طريق العمل السلمي، في مواجهة الأطراف التي رفعت السلاح كسبيل لاخراج المحتل.

هذا الاعتقاد غلفه الغموض، وغطته سحب ضبابية تسببت في تأجيل اعلان النتائج النهائية للانتخابات التشريعية التي تراجعت فيها حصة الائتلاف العراقي الموحد عماحصلت عليه في انتخابات يناير 2005، وفرضت حضور جبهة التوافق العراقية كلاعب جديد في مفاوضات تشكيل الحكومة المقبلة.

ووسط الشد والجذب بين الكتل الفائزة، جاء انفجار سامراء ليربك المعادلة، وكاد ان يعود بالجميع الى المربع رقم واحد لولا التحركات التي اعتبرها البعض متأخرة بعض الشيء، لوقف نزيف الدم والاحتقان الطائفي.

والآن ما هي الدروس المستفادة من أزمة مرقد الامامين ؟ وكيف يمكن تجنب ردات الفعل المماثل لو وقع ما يعكر الصفو لا سمح الله ؟. بداية يجب ان يتفق الجميع على ان هناك عراقاً واحداً يجب ان يتكاتف الكل في الدفاع عنه، وان في رقعة الوطن متسعاً، وان سياسة الإقصاء لن تفلح في القفز على حقائق الجغرافيا وصفحات التاريخ المشترك التي يمكن ان تنقذ القارب من الغرق.

ثانيا ان تعترف الكتل السياسية ان تشكيل الحكومة ليس نهاية المطاف او الغاية التي لا يمكن التفريط في مكاسبها، إذ ان أمام الجميع مشواراً طويلاً من العمل للملمة شعث ما فرضه الاحتلال من معادلات جديدة، لا يمكن إنكار تداعياتها السلبية.

ومن ثم يتحتم على القادة العراقيين ادراك ان ما لا يؤخذ كله لا يترك كله، وان اللعبة السياسية تتطلب تجرع بعض التنازلات المؤلمة حتى تصمد السفينة في وجه الأنواء.

الخروج من دائرة العنف والافلات من الانزلاق الى اتون الحرب الأهلية، يحتاج اتخاذ خطوات جادة تضع في الحسبان ان العراق محتل وخروج القوات الاجنبية لن يتأتى في ظل الانفلات الأمني الحاصل حاليا، وعمليات القتل اليومية التي ذهب ضحيتها مئات الأبرياء في الأزمة الاخيرة .

وهو ما يجعل اشد المعارضين لوجود الاجنبي يتشكك في الاستغناء عنه في وقت قريب، بما يصب في مصلحة المحتل ويضعف من موقف الساعين لرحيلة العاجل.