ثمة مخاض تعيشه منطقتنا العربية والإسلامية متعرج الحالات والمسارات، يصعد في مكان فيما يهبط في مكان آخر، يشتد الألم في لحظة فيما تتراجع الأوجاع في أخرى.

وشعوب المنطقة حيرى من أمرها وتعيش «ساعات» قلق قد تستمر شهوراً أو حتى سنين لا تعرف هل سيخرج الوليد سالماً لا تشويه فيه أو أنه لن يخرج إلا ميتا أو حتى قد تموت معه الأم والمرضعة وكل من له علاقة، بهذا الوليد المنتظر لا سمح الله!

في فلسطين كما في العراق كما في لبنان كما في سوريا كما في إيران كما في أي بقعة من الأرض العربية والإسلامية يمكن للمرء أن يشهد مشروع ولادة في الأفق يصاحبه مشروع اجهاض وفي الحالتين فإن ثمة صراعاً بين تيارات تنتمي «للداخل» وأخرى تنتمي «للخارج» منها من يسعى لإنجاح الولادة ومنها ما يسعى لاجهاضها بأي ثمن كان!

زيوت تسهيل الولادة متوفرة لكنها في الغالب موجودة في الكمون أكثر مما هي بالفعل، لكن وقود اشعال النار في جسم «الحامل» موجود بالفعل أكثر مما هو با لكمون، فارادات التحول والتغيير والاصلاح وانجاز فعل «الولادة» من خلال آلية العمل الديمقراطي والشوري وبمشاركة أوسع الطبقات الاجتماعية متوفرة بدرجة كبيرة وحجم واسع.

لكن قدرتها على الفعل والنجاح تبدو محدودة ومحصورة في دوائر معنية، بالمقابل فإن إرادة اجهاض أي تحول ولاده طبيعية دون عملية جراحية حادة تبدو محصورة في دوائر ضيقة للغاية لكنها مسلحة بأقوى وأفتك المعدات للتدمير الشامل داخلياً وخارجياً.

في فلسطين ثمة ارادة شعبية قاطعة تبحث عن حل ديمقراطي جذري للقضية المركزية لأمة العرب والمسلمين، وفوز حماس المدوي لم يكن سوى العلامة الفارقة. غير أن ارادة «المخربين» الداخليين والخارجيين لا سيما قوى الاحتلال وسندهم الخارجي تبدو في المرصاد!

في العراق يكاد الأمر لا يختلف كثيرا عن فلسطين المحتلة في الجوهر عدا أن قوى الداخل والخارج «المخربة» أكثر تحررا في ارادة القتل وفعله وأكثر تعقيداً في المواقع والأدوار!

وفي لبنان وسوريا فإن المعاناة تبدو أكثر إيلاماً عندما يلحظ المراقب ذلك التراجع التراجيدي غير الممهد لقوى التقدم باتجاه مواقع أكثر رجعية حتى من قوى الرجعية نفسها ولكن بثوب «ديمقراطي منتدب»!

ويبقى الملف الإيراني الذي بات وكأنه رأس الحربة في المعركة الدائرة بين قوى النهوض وقوى النكوص شاهداً على مقولة «لا يموت فيها ولا يحيا» بانتظار «الولادة» الحكيمة والمدبرة التي نعرف كيف نسحب الولد من بطن أمة دون تعريض «الحامل» كما الوليد للخطر وبأقل الآلام الممكنة.

ويظل السؤال الكبير منذ فتحت معركة الولادة الكبرى قبل ما يزيد على القرن من الزمان والتي سميت يوماً ولا تزال بمعركة الإصلاح هو: هل الاستبداد أولاً أم الاستعمار؟

وهنا ثمة من اكتشف خياراً ثالثاً وهو: تلفيق الصراع، أي دمج المعركتين بمعركة واحدة، وذلك من خلال معركة التحرر، أي التحرر من مقولة الاستقواء بأحدهما على الآخر، أي الوقوف على مسافة واحدة بين الاستبداد والاستعمار، وعدم التراخي أو الركون إلى أجندة أي منهما.

لكن الوقود الملقى على الشارع بكميات كبيرة جداً يكفي لإشعال حرب أهلية في أي موقع وفي أية لحظة زمنية وعلى أية أرض عربية أو إسلامية، مجرد أن تتوافر شرارة هنا أو هناك، أو يشعل أحدهم فتيلاً، وعندها سيخرج التحول مهما كان «إيجابياً» عن مساره الطبيعي، ولا يبقى فائدة تذكر من سقوط طاغية هنا أو مستبد أو ظلامي هناك.

هذا ما يحصل في العراق وأفغانستان، كما يقول أصحاب هذا الرأي، والحبل على الجرار، الضغوط الخارجية على بلداننا تتكثف بكل اتجاه والضغوط الشعبية على الاستبداد أحياناً وعلى الاستعمار أحياناً أخرى، وعليهما معاً في أحيان ثالثة تتكثف هي الأخرى أيضاً مع كل يوم يمر علينا.

يكفي أن تحرك منظارك في أي اتجاه تريد من اتجاهات العالمين العربي والإسلامي، والكوادر أو «الجنود» العاملين باتجاه التحول ومن أجل التغيير والإصلاح تراهم كثر، لكنك سرعان ما ستلحظ غياب «الجنرالات».

بل وربما حتى «جنرال» واحد، والجنرال هنا ليس بالضرورة المقصود به الجنرال الحربي، بل ذلك القائد الكشاف وصاحب النظر الثاقب الذي يستطيع أن يتدخل أو يدخل في مخاض التحول المشار إليه ويقود عملية التحول المطلوبة بسلام ويوصلها إلى شاطئ الأمان بأقل الخسائر وأقل الجراح وأقل الآلام والمعاناة.

هذا الجنرال «الولادة» هو في عز الطلب الآن! ولا مجال للإفراط ولا التفريط الآن، ولا مجال للتجريب واستخدام فلسفة الخطأ والصواب كثيراً في هذه اللحظة التاريخية، كما انه لا مجال هنا لشطب أي فريق مهما كان صغيراً أو قليل التأثير.

هكذا وبجرة قلم، لا باسم الأكثرية ولا باسم السلام ولا باسم الإصلاح، ولا باسم الشرعية ولا باسم الديمقراطية ولا باسم الحرية ولا باسم الدين، ولا...، إنه ليس وقت «الحتمية التاريخية» ولا هي حقبة «نهاية التاريخ» بعد أن ثبت فشلهما كمنهجين «عالميين» أو «متعولمين»!

كما انه ليس زمن «الولادات القيصرية»، كما يفضل طلاب الحروب أو النازعين إلى دورات العنف الإرهابية والإرهابية المضادة، بل انه زمن «الجنرالات» الذين يعرفون كيف يدارون آلام الحامل والجنين حتى يولد بسلام من دون التفريط بأحدهما أو كليهما، حباً بإجراء العمليات الجراحية «بنجاح» فقط، وفقط لإثبات القدرة على إجراء العمليات الجراحية ليس إلا، أي إثبات قدرات «الجراح» حتى ولو جاءت، حصيلتها عبثية!

إنها مرحلة في غاية الحساسية والخطورة تعيشها منطقتنا العربية والإسلامية، إذا ما تجاوزناها بسلام وبأقل الخسائر الممكنة نكون قد عدنا إلى موقع الأمم الصانعة للحضارات والفاعلة في الحياة الدنيا.

وإذا ما سلمنا أمرنا لقوة الرياح العاصفة من دون تدخل مدروس ومحسوب من قبل «جنرالات»، «ولادة» نفرزها من بيننا، فإننا نكون قد قررنا الخروج من البوابات الخلفية لصناعة التاريخ تاركين شعوبنا لقمة سائغة بين قدريي «الحتمية التاريخية» أو عبء معارك «نهاية التاريخ».

أمين منتدى الحوار الإيراني ـ العربي