هل صار العراق أمام السيناريو الأسوأ الذي حذر منه الكثيرون، سيناريو الحرب الأهلية في ظل انتشار المناخ الطوائفي، حرب قد تطيح نهائياً بوحدة العراق وربما تبقيه مجرد دولة موحدة صورياً وعلى الورق لاعلاقة له بالواقع المجتمعي والوطني الناشئ، الصومال نموذج ماثل للعيان لمن يريد استكشاف هذا السيناريو.
الجميع يحمل الآخر المسؤولية. لكن الجميع من أطراف عراقية وأخرى عربية ودولية مسؤول كل بدرجة معينة قد نختلف في شأن وزن كل منها، إما لسياسات فرضها واتبعها أو شارك فيها أو لغياب عن الفعل السياسي بحثاً عن الأمان وخوفاً من التورط رغم أن نجاح السيناريو الأسوأ سيطيح بأمانه ويورطه بشكل أكثر تعقيداً وتكلفة.
الوطنية العراقية تتآكل وتتراجع قوتها مع الزمن ويحيد تأثيرها مع الوقت في ظل غياب وتغييب لسياسات تحتضنها أو تعبر عنها، ليس على مستوى الشعارات، فالكثير منها موجود، ولكن على مستوى التفكير والفعل والممارسة.
في ظل هذا التغييب تنتعش «الوطنيات» الطائفية والمذهبية والاثنية طالما ترك الملعب لجماعات قد تكون صغيرة في عددها هنا وهناك، ولكنها قوية بتأثيرها لأنها فاعلة في صناعة الحدث وفي لعبة الفعل ورد الفعل وتستند إلى سلوكيات تقسيمية أو ذات تداعيات تقسيمية.
ولا يكفي التمسك أو التغني بالوحدة من فوق عبر توجيه النداءات المشتركة طالما أن الانسداد مستمر أمام عملية البناء الوطني وطالما أن التقسيميين على مختلف أنواعهم وسلوكياتهم من عنفية أو سياسية إقصائية يتحركون بحرية على الأرض ويصنعون الحدث.
خمسة أسباب، ونحن عشية الذكرى الثالثة لاحتلال العراق أو للاحتلال التحريري كما يسميه البعض، تبقى مسؤولة ولو كان هنالك اختلاف في وزن كل منها في الدفع نحو الحرب الأهلية في العراق. الحرب التي يتخوف الكثيرون عن حق من عدوى انتقالها في زمن انتعاش الهويات المذهبية، عبر الحدود الوطنية، لإحداث توترات في بعض مجتمعات المنطقة.
الخوف والقلق من استراتيجيات من جهة وأوضاع مهيأة من جهة أخرى تؤدي إلى تطييف السياسة في المجتمعات العربية وتساهم بالتالي في تهديد النسيج المجتمعي طالما ترك الجرح العراقي على حاله ليسمم العراق والمنطقة.
خمسة أسباب هي: أولاً تكسير الدولة العراقية، وبالتالي مؤسسات وآليات الاندماج الوطني من طرف الاحتلال، وخلق فراغ كبير وقاتل دفع في ظل الفوضى والخوف والقلق على المصير والمستقبل الكل للالتجاء إلى جماعته الأصلية لغياب أي خيار آخر، ثانياً، ساهم في ذلك أيضاً أن العراق كان جزءاً من حالة عربية قائمة ومستمرة.
حالة الفشل في بناء الدولة الوطنية ليس على مستوى المؤسسات والخطاب وعلى مستوى نخبة معينة بل على مستوى خلق المواطنة في المجتمع كانتماء حديث مطمئن للفرد، على حساب الانتماءات الأخرى دون الوطنية أو عبر الوطنية، مما خلق بيئة مهيأة للانتشار الطوائفي منطقاً وسلوكية.
ثالثاً كرس الاحتلال المنطق الطوائفي في العملية السياسية التي أطلقها في العراق تحت سيطرته كلياً وألغى أو همّش المنطق الوطني في تلك العملية. رابعاً لم تبلور المقاومة خارج الشعارات خطاباً وطنياً مطمئناً في أركانه وأهدافه للآخر خاصة أنها التصقت بالصورة الفئوية ولم تميز نفسها بشكل واضح ومميز وصريح منذ البداية عن التيار التكفيري على الإرهابي.
خامساً انتعاش شعور الانتقام التاريخي ووجود الفرصة المناسبة للهيمنة السياسية الفئوية على العراق الجديد عند بعض من هم في السلطة تحت عنوان حكم الأكثرية رغم أنه في الدول المركبة من جماعات مختلفة وفي ظل انتشار الإحياء الطوائفي لا يصب الحديث عن الأكثرية العددية في عملية البناء الوطني بقدر ما يؤدي إلى إثارة مخاوف الجماعات الأخرى.
وإدخال البلد في لعبة مدمرة تقوم على التنازع والصراع حول تحديد أوزان «الكراسي» باعتبارها امتيازات لهويات وحقوق طائفية. ويصبح الانسداد السياسي والدستوري سيد الموقف ويؤدي إلى أزمة وطنية مفتوحة.
قبل السقوط في الهاوية ولتلافي ذلك يصبح من الضروري الإسراع في تشكيل حكومة إنقاذ وطني تقوم على إشراك ممثلي كل المكونات الاجتماعية السياسية في العراق ولا تختبئ وراء نتائج انتخابات نيابية، هناك أساساً خلاف حول القانون التي جرت على أساسه وخاصة حول الأوضاع اللا طبيعية التي جرت في ظلها.
كما يجب التعجيل بعد ذلك في عقد مؤتمر الوفاق الوطني، رغم أن موعداً مبدئياً قد حدد له في مطلع يونيو، لكن الموعد متأخر جداً في ظل التوترات الضاغطة والمطلوب عقد مؤتمر مفتوح بغية البحث في بلورة عقد وطني جديد يكون الأساس لعراق موحد.
لكن المطلوب أيضاً عربياً وإقليمياً ودولياً رسالة واحدة واضحة وحازمة وضاغطة، للدفع ولمواكبة عملية الوفاق الوطني، رسالة حول عدم جواز المساس بوحدة العراق.
فالمناشدات رغم أهميتها ورمزيتها لن تمنع من سقوط بغداد بأيدي أبنائها في حرب الجميع ضد الجميع وهو سقوط لا يلغي العراق فحسب من جغرافية الدول بل يؤدي إلى بلقنة المنطقة ولو بأشكال مختلفة. إنها مسؤولية الجميع وأبناء العراق أساساً لتلافي السقوط الكامل في الهاوية.
كاتب لبناني