في يوم بارد من أيام شهر يناير وداخل تلك القاعدة الأميركية الواقعة خارج مدينة تلعفر العراقية، وقف جنود فوج الفرسان المدرع التابع للجيش الثالث الأميركي ليلقوا النظرة الأخيرة على ثلاثة من زملائهم كانوا قد قُتلوا في وقت سابق من ذلك الشهر في انفجار طائرة بلاكهوك أميركية.

وهؤلاء الذين استطاعوا أن يستأذنوا من الخدمة لمدة ساعة اكتظت بهم قاعة خُصصت للصلاة على الجنود الثلاثة.

أمر جيد أن تُتاح لك في مثل تلك المناسبة فرصة النظر إلى وجوه بعض من الذين سقطوا قتلى وتتعرف على أسماء زوجاتهم وأطفالهم. إنهم ليسوا مجرد أعداد بل هم أميركيون تسبب موتهم في مكان بعيد عن وطنهم في تحطيم قلوب ثلاث زوجات وتسعة أطفال وأمهات وأصدقاء وزملاء.

إن الصلاة التي أقيمت على الأميركيين الثلاثة، والتي أعتيد رؤيتها في العراق ، تشبه الجنازات التي كانت تقام للقراصنة الاسكندنافيين أو الفايكينغ إذا صح التشبيه.

وعلى مسرح محاط بالعلم الأميركي وعلم المعركة الخاص بفوج عسكري مميز وقديم يعود تاريخه إلى حرب 1847 مع المكسيك، كانت هناك ثلاث بنادق عليها حراب وأمام كل بندقية منها حذاء عالي الساق وخوذة تعتلي الجزء الغليظ من البندقية.

وتُليت السيّر الذاتية للجنود الثلاثة، وكان المشهد كافيا لأن يجعل كل من يسمع ينخرط في البكاء.

الجندي الأول، دوغ لابوف، كان يعشق كرة القدم وتجميع طوابع البريد، وهو خريج جامعة هويتيير وله زوجة تدعى كارين وطفلان هما كاسيدي-7 أعوام- ودو غلاس-3 أعوام- بجانب والدته ليلا لابوف.

أما الجندي الثاني مايك مارتينيز ، فقد التحق بالجيش بعد أن تخرج من المدرسة الثانوية في 1980 وتدرج في المراكز حتى وصل إلى رتبة رقيب أركان. ثم التحق بعد ذلك بالكلية وتخرج من كلية الحقوق جامعة ميسوري في 1988 ليرجع بعد ذلك إلى الجيش برتبة ضابط.

وكان يُعرف بأنه مصور موهوب ورافع أثقال. ولدى مارتينيز زوجة تُدعى كيلي وأربعة أطفال هم أليكس-20 عاما- وكاثرين-19 عاما- وكولبي - 81 عاما- وبين- 15 عاما- بالإضافة إلى والدته بياتريس مارتينيز.

الجندي الثالث هو جوزيف دي مورز الذي التحق بالجيش في 2001 وكان عالم لغويات. في 2004تخرج من كلية الضباط قبل أن يصل إلى رتبة ملازم ثان في الجيش الأميركي. وجوزيف له زوجة تُدعى فينديلا وثلاثة أطفال هم موبوني وديميتريس وتشاستيتي.

وبعد أن تم عزف السلام الوطني وتلا القسيس كوسي الصلوات الاستهلالية، تحدث قائد الفوج الكولونيل إتش آر ماكماستر بشكل مؤثر للغاية عن الروح الإثارية التي تمتع بها الجنود الثلاثة الذين دفعوا بأنفسهم في قلب الخطر من أجل أن ينقذوا الآخرين من الإرهابيين والطغاة.

وتحدث كذلك نحو 12 زميلاً وزميلة للجنود الثلاثة عن جديتهم وتفانيهم في العمل وكيف أنهم كانوا قليلي الشكوى ودائمي الفخار بما يقومون به من خدمات للوطن.

شعور بالأمل والفخار يتملك المرء عندما يُلقي النظرة الأخيرة على جندي فقد روحه من أجل الوطن. السطر الذي لم يتحدث به أحد ولكنني ظللت أسمعه أثناء ذلك اليوم هو ذلك السؤال الذي طرحه فريدبيك مارش في نهاية فيلم: «جسور في توكوراي»:

«من أين نأتي بمثل هؤلاء الرجال؟» وإلى هذا السؤال أضف بدوري السؤال التالي:

ما الذي نقدمه نحن كشعب وأمة حتى نستحق الخدمات والتضحيات التي يقدمها مثل هؤلاء الرجال والنساء؟ نحن الآن ندخل عامنا الخامس في حرب معلنة ضد الإرهاب. غير أن قادتنا لا يطلبون أي تضحية من 99% من الأميركيين يتمتعون بحماية 1% فقط من الشعب.هم ونحن نترك التضحية إلى مثل هؤلاء الجنود الثلاثة وأراملهم وأطفالهم.