يواجه العراق أزمة حكومية، لكنها هذه المرة أزمة مختلفة بمعطياتها وظروفها وأبعادها. فهي تأتي في وقت ووسط تطورات ميدانية نوعية غير مسبوقة في تصعيدها.

كما في ظل تلميحات أميركية مكرورة حول خطر انزلاق البلد إلى حرب أهلية! الأمر الذي يضع عملية تشكيل حكومة جديدة في سياق مختلف عن الأزمات السابقة ويرشحها لدور صبّ الزيت على النار بدلاً من ان تكون مفتاح الانفراج للوضع العراقي المنهك.

منذ وقوع الاحتلال والعراق يواجه الأزمة بعد الأخرى، في كل محطة كان يمر بها، أو عشية كل استحقاق كان يواجهه. في كل أزمة كانت أموره تتعقد زيادة وأجواؤه يسودها التوتر، بحكم الاستقطابات والتجاذبات التي كانت تسيطر على ساحته.

لكن في كل مرة كان الواقع بالنهاية، يفرض نفسه، بتأثير عوامل داخلية وخارجية متداخلة يتعذر تجاوزها، وعلى هذا الأساس كان يتم العبور وينتقل البلد إلى الجولة الثانية من عملية إعادة تركيبه.

تكرر هذا السيناريو منذ مجلس الحكم المحلي ثم تشكيل أول حكومة وما تلاها من انتخابات وحكومة ثانية ثم تعيين لجنة لصياغة الدستور فالانتخابات الأخيرة.

كان الاعتقاد، حتى أيام خلت، ان مسألة رئاسة الحكومة قد تمّ حسمها، بالتصويت، وان الخلافات على الحقائب هي التي ما زالت عالقة وتتطلب بعض الوقت، لتنتهي إلى الحل قريباً.

فجأة وفي ظل التصعيد الذي اشتعلت ناره مع الاعتداء على المقدسات في سامراء وغيرها، عاد هذا المنصب إلى دائرة الجدل والخلاف ثم ظهرت الفيتوات عليه، ليقابلها التوكيد على التمسك به من جانب الائتلاف الذي رشحه ودعمه.

وكان يمكن النظر إلى ذلك على انه جزء من لعبة تحسين الشروط والصراع على الحصص والأدوار، لو كانت الأجواء غير تلك التي ترافق هذا التطور. لكن الأمر ليس كذلك فالساحة العراقية تعيش اليوم مرحلة دقيقة، من حيث ان البلد يقف عند مفترق طرق تتعلق بمصيره، والمؤشرات كثيرة حول جنوح سفينته باتجاه مطبّات خطيرة.

وليس صدفة ان تتوالى التحذيرات الصريحة على لسان مسؤولين أميركيين، من احتمال اشتعال نار الحرب الأهلية في العراق. منذ أيام قالها جون نيغروبونتي، المدير العام لوكالة الاستخبارات الأميركية، وأول من أمس عاد ورددها الجنرال كايسي قائد القوات الأميركية في العراق. في السابق كانت مثل هذه النغمة غائبة عن خطاب الإدارة الأميركية، المتعلق بالعراق.

على العكس كانت التطمينات ـ طبعاً للاستهلاك الداخلي ـ تتوالى والحديث لا ينقطع حول «استتباب الأمور»، والرئيس بوش لم يفارقه التبشير بأن الأوضاع تسير هناك في الاتجاه الصحيح وبأن الديمقراطية آخذة في التجذر بأرض الرافدين لتكون قدوة في المنطقة.. فماذا عدا مما بدا لينقلب هذا التفاؤل إلى التلويح بعدم استبعاد نشوب حرب أهلية؟

وما يحمل على أخذ هذا الكلام الأميركي على محمل الجدّ انه يأتي في لحظة يتفاقم فيها الاحتقان المذهبي ويأخذ تغييرات مقلقة على الأرض. وهي ما زالت تتفاعل إلى حدّ ان بعض السكان في مناطق معينة «بدأوا يستعدون إلى اللجوء إلى أقارب مقيمين في مناطق أكثر أماناً»!! ظاهرة ولو محدودة، تدعو إلى التخوف دون التقليل من خطورتها وإمكانية انتشارها.

الايجابي إن هناك مساعي وتحركات عراقية ناشطة وفاعلة لوقف التدهور والجمع بين الأطراف. السلبي ان الساحة، بكل ما تختزنه من عوامل تفجير إقليمي، متروكة لأصحابها فقط وكأن الخطر يهددهم وحدهم.