الحوار الوطني اللبناني، الذي بدأ أول من أمس، هو في حد ذاته انجاز يليق بأبناء وطن الأرز، الذي عاش لأكثر من عام، منذ اغتيال الشهيد رفيق الحريري، في حالة احتقان سياسي حاد أثار مخاوف كل أبناء هذا الشعب العربي الشقيق الذي كان نموذجاً للاستقرار والأمن، قبل اشتعال الحرب الأهلية، التي خمدت نيرانها إلى غير رجعة.

الحوار الدائر الآن هو أول لقاء منذ الاستقلال داخل حدود الوطن بين الأطياف اللبنانية الرئيسية، التي بدا المشهد في الآونة الأخيرة وكأنه لا تلاقي بين الفرقاء ولا مودة بين القوى السياسية التي ظن البعض أنها ستظل في صراع قد يصل إلى حد القطيعة وقد يفجر ما لا تحمد عقباه.

ولكن ها هي الأيادي تمتد للمصافحة من دون أن يحمل أحد ضغينة لأخيه. تمتد يد الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله إلى رئيس الهيئة التنفيذية للقوات اللبنانية سمير جعجع، والى رئيس اللقاء الديمقراطي وليد جنبلاط. تتسابق الأيادي للمصافحة من دون أي وسيط. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن أبناء لبنان أصحاب السبق الديمقراطي في الوطن العربي بعد الاستقلال ومرحلة ما بعد الاستعمار الأجنبي، لا يفسد للود بينهم اختلافهم في الرأي، بل من أجل تماسك الوطن والحفاظ على كيانه موحدا، يتراجعون عن تناحرهم وتصارع مواقفهم.

أهم ما يميز الحوار اللبناني أيضاً أن الفرقاء يلتقون على مائدة واحدة بلا رئاسة، وبمبادرة وطنية لبنانية، ومن دون وساطة من الخارج سواء كانت عربية أو دولية. صاحب المبادرة هو رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي اعتبر أن مجرد انعقاد اللقاء هو انجاز في حد ذاته، وكانت له كلمة مشهودة في افتتاح الحوار تكشف عن رغبة وطنية في انتشال لبنان من أزمته السياسية، دعا إلى اتفاق كل الفرقاء على كل شيء، وفى الوقت نفسه تنظيم الاختلافات في وجهات النظر، مؤكداً ضرورة تغليب المصلحة الوطنية على المصلحة الذاتية والمزايدات. ولعل أبلغ ما قاله هو إن الجميع في قارب واحد ولابد من النجاح من أجل الوطن والجميع بلا استثناء، لأن الفشل يعنى غرق الجميع بلا استثناء.

لقاء الفرقاء، رغم أنه تم في أجواء ودية وإيجابية، إلا أن ما هو مطروح أمامهم على المائدة قد يجعل بعض المراقبين يظنون أن الأمر قد ينتهي إلى لا شيء، وأن اللقاء قد يكون مجرد تسكين وتخفيف لحدة الاحتقان التي تسود الساحة اللبنانية. فهناك على مائدة البحث ثلاث قضايا ساخنة تتطلب موقفاً موحداً من كل الأطياف اللبنانية لانتزاع فتيل المواجهات والتناحر السياسي الحاد.

هذه القضايا هي سلاح المقاومة اللبنانية متمثلة في حزب الله الذي كان له دوره في إخراج القوات الإسرائيلية من الجنوب اللبناني في مشهد مازال الإسرائيليون يخجلون من ذكره. وقضية اغتيال الشهيد رفيق الحريري التي فجرت مشاعر الغضب في الشارع اللبناني بشكل مثير ومخيف. ثم قضية العلاقات مع سوريا التي استجابت سريعا لصوت العقل وسحبت قواتها من لبنان، ولكن بقى بعد الانسحاب ضباب كثيف في العلاقات بين البلدين الشقيقين اللذين يجمعهما تاريخ وأواصر أخوية لا يمكن تمزيقها.

لقد دخل الحوار الذي من المفترض أن يستمر لنهاية الأسبوع مرحلة حاسمة من البحث في تلك القضايا الحساسة، ونأمل أن يصل الفرقاء إلى أرضية مشتركة لحل تلك القضايا.

إن ما يطلقه المجتمعون من تصريحات، حتى الآن، تحمل نبرة تفاؤلية، تبشر بإمكانية مواجهة القضايا موضع البحث بصدق وموضوعية. والأمل أن يسفر الحوار عن حل واقعي لتلك القضايا يعبر في النهاية عن نبض الشارع اللبناني المترقب. حل يحمل في ثناياه ما يضمن للبنان أمنه واستقراره وحريته واستقلاله.