بعد عام من احتلال الأميركيين للعراق، كنا نتساءل ما إذا كان العراق في طريقه إلى أن يتحول إلى فيتنام أخرى، والآن ربما علينا أن نتساءل متى ستندلع الحرب الأهلية؟ أو بكلمة أوضح الحرب المذهبية؟.

في سبيله لان يتحول إلى فيتنام، تحول العراق إلى مستنقع حقيقي وجدت واشنطن نفسها تغرق فيه يوما بعد آخر، عمليات عسكرية يومية ضد القوات الأميركية قيل إنها تلبث أن تتلاشى لأنها ضربات فلول النظام السابق. لكن المستنقع لم يكن في ساحة الحرب فقط، بل إن أول عناصر هذا المستنقع هو البيئة التي يعمل فيها الأميركيون.

الأميركيون في العراق يعملون في بيئة معادية رغم كل هذه المسايرة من الزعماء العراقيين والأحزاب والعشائر ورغم كل هذه العملية السياسية المتوالية ضمن البرنامج الذي وضعه الأميركيون. أن توجه العراقيين المتكرر لصناديق الاقتراع لن يحول هذه البيئة إلى بيئة صديقة مهما ظفرنا بقصص صغيرة مسلية هناك وهناك. أي ذلك النوع من القصص الذي تسعى الإدارة والصحافة الأميركية أحياناً جاهدة لإبرازه.

مجند أميركي يتزوج عراقية، أو الجهود الخارقة التي يلعبها جنود أميركيون لإعادة الحياة الطبيعية في بلدة عراقية نائية وتعويد السكان على الديمقراطية في الحياة اليومية وتعليم الأطفال وشيوخ العشائر احترام صناديق الاقتراع.في نهاية المطاف ستصل العملية السياسية إلى مواجهة حقيقية مؤجلة: متى سيغادر الأميركيون العراق؟.

هذا السؤال يخص كل العراقيين ويشغل بالهم وان بدرجات متفاوتة. يبدو أولوية أولى لدى السنة مثلا، ومؤجلا قليلا لدى الشيعة والأكراد، لكن مقتدى الصدر قد يربك هذه الأولويات بمطالبته التي لم تتوقف بخروج الأميركيين.

ومشاركة أحزاب سنية وشخصيات بوزن غازي عجيل الياور في العملية السياسية التي تجري في ظل الاحتلال، يقودنا بالنهاية إلى أن العراق ليس مجموعة من كتل طائفية أو اتنية صماء، بل أن هذه الفسيفساء تؤكد على حقيقة غفل عنها الأميركيون والعراقيون أيضاً: الحاجة لمقاربات غير طائفية لبناء الدولة في العراق.

في النهاية فان النجاح في بناء الدولة والبنية الأساسية، سيصل لا محالة بالعراقيين إلى أولوية أخرى: متى ندير بلدنا من دون وصاية أو تدخل؟ أي بعبارة أخرى: متى سيغادر الأميركيون العراق؟. هل تعتقدون أن حزب الدعوة والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية سيقبلان ببقاء مفتوح غير محدد المدة للقوات الأميركية في العراق؟.

من يظن ذلك مخطئ تماماً وليس هناك من عراقي يمكن أن يفكر أن بقاء الأميركيين في العراق يمكن أن يكون مفتوحا.الأمن هو السبب الوحيد الذي يمكن أن يبقي الأميركيين في العراق. لكن علينا أن ننظر لهذا السبب أو العنصر على مستويين، على المدى القصير والمتوسط وعلى المدى الاستراتيجي البعيد.

إن البرنامج السياسي الآن لإعادة بناء الدولة ومقوماتها الأساسية من مؤسسات دستورية وسيادية، وإعادة مقومات الحياة اليومية ومقومات الاقتصاد والحياة اليومية للعراقيين، دخل في سباق محموم مع الوضع الأمني. أن كلا المسارين على تضاد تام، فكلاهما يسعى لتقويض الآخر والحد من تأثيره.

لكن فيما يغرق المسار السياسي في مساومات وتنافس مضن بين الأحزاب العراقية ويتم تطبيق التركيبة وأسس الحياة السياسية للعراق الجديد، فان الوضع الأمني يلقي بتأثيره العميق على الفرقاء العراقيين بالدرجة الأولى ويسهم في دفع المسار السياسي نحو مزيد من التطبيق وترسيخ ذهنية المحاصصة الطائفية.

لكنه الآن دخل مرحلة حرجة للغاية تهدد باندلاع حرب مذهبية لأن الفرقاء العراقيين أصبحوا يبدون استجابة اكبر للتأثير المقصود أساساً بهذه العمليات التي لم تتوقف وخصوصا عمليات واضحة في غاياتها مثل تفجير مرقدي الإمامين علي الهادي والحسن العسكري في سامراء.

إن سامراء تبدو مكانا نموذجيا لإشعال حرب طائفية. مدينة ذات غالبية سنية تضم مرقد اثنين من أئمة الشيعة والاعتداء غير المسبوق في التاريخ العراقي نفسه على ضريح ومزار من هذا النوع ليس سوى تصعيد لحالة من التوتر التي وصلت حد الاحتراب المقنن (سياسيا على الأقل) لتفجيرها على الأرض عمليا.

وهو بهذا يكتسب كل الدلالات الرمزية اللازمة لفعل التفجير المطلوب وليس أدل من ذلك سوى ردات الفعل الفورية التي أعقبته: اعتداءات على مساجد سنية وعنف متبادل وقتلى. في أذهان الشيعة تم ترسيخ صورة رمزية للعدو: التكفيريين، ولقد تم هذا بصورة ربطت التكفيريين بفكرة المقاومة نفسها وفكرة المطالبة برحيل قوات الاحتلال حتى غدا الفارق بين الهدف الوطني (السيادة) المعجل لدى السنة مثلا والمؤجل لدى الشيعة إلى حين من نفس جنس العمليات الإرهابية التي تستهدف الشيعة.

وفي أذهان السنة تم ترسيخ صورة رمزية لأعوان المحتل: الشيعة الذين قبلوا بالمشاركة في العملية السياسية على أنقاض نظام حاربوه، فبدت المشاركة في تأسيس عراق جديد (كسلوك واقعي) أمراً يقترب من الخيانة العظمى.إن ردود الفعل السريعة التي قام بها زعماء السنة والشيعة لتطويق تداعيات ما جرى في سامراء تبقى ايجابية لكن إلى حين.

غني عن القول على العراقيين أن يجدوا هوية مشتركة بعيدة عن الانتماء الطائفي، وهذه ليس مطلوبا اختراعها بل إنها موجودة وقائمة لكنها مغيبة إنها المواطنة. لم يكن لهذه الصورة النمطية للعدو أن تترسخ في أذهان السنة والشيعة بكل رمزيتها لولا أن تلك الهجمات والاعتداءات الهمجية المنسوبة للتكفيريين هي التي ساهمت في ذلك. هنا يصح التساؤل حول الهدف النهائي الذي تبتغيه هذه الهجمات وهذا الإرهاب الأعمى الذي لا يتوقف، يصب لمصلحة من في النهاية؟.

لقد اعتدنا التعامل مع الإرهاب وكأنه لا مبرر له، انه إرهاب أعمى ولا منطق فيه ولا إنسانية، لكن عندما تصب نتائجه النهائية في نتيجة واحدة علينا أن نطرح الشكوك قوية حوله. انه لا يفعل سوى تأكيد الحاجة للأمن ويدفع إلى قناعة أصبحت تترسخ يوما بعد آخر: الحرب الأهلية. وهذا كله لا يدفعنا في النهاية سوى لاستنتاج واحد: بقاء قوات الاحتلال ضرورة لان العراقيين غير قادرين على إدارة شؤونهم لوحدهم.

تفجير المرقدين لم يكن سوى تمرين عملي لإثبات هذه الفرضية: الحرب الطائفية وقد أثبتت تداعيات التفجير صحة الافتراض والمسعى الأصلي من ورائه. وفي كل الأحوال سيبقى هذا الاعتداء في الذاكرة، تراكماً لجملة من الحوادث المماثلة الصغيرة هنا وهناك قبل أن تندلع شرارة أخرى لن ينفع معها ردود الأفعال ولا الصلوات المشتركة ولا المظاهرات الرمزية المشتركة.

كاتب بحريني