المشهد العراقي الحالي بكل ما يثيره من قلق على المستقبل العراقي والإقليمي والعربي هو مشهد مأساوي انتحاري محزن بكل المقاييس منذ أن قام المحتلون الأنجلو أميركيون بغزو العراق، وما شهده العراق من احتلال باسم التحرير، ومن تدمير باسم التعمير، ومن نشر للإرهاب باسم محاربة الإرهاب، ومن فتنة طائفية باسم الديمقراطية، ومن تعذيب للإنسان العراقي يندى له الجبين باسم حقوق الإنسان لهو دليل واضح على أن الاحتلال هو مصدر كل الشرور.
وكشف الشعب العراقي العظيم ومعظم قادة قواه الدينية والسياسية دون عناء أن الأيدي الشريرة التي يحركها المحتلون هي التي تقتل العراقيين الأبرياء في المستشفيات وفي المدارس والأسواق وهي التي تقصف المدن والأحياء، وهي التي تفجر الأضرحة والحسينيات الشيعية وتحرق المساجد السنية.
ومن هنا كانت نداءات القادة الدينيين والوطنيين والقوميين واعية في توجيه أصابع الاتهام إلى الاحتلال، وضرورة وحدة الشيعة والسنة في مقاومة المحتلين، وعالية بضرورة ضبط النفس لمحاصرة مؤامرة الفتنة المجنونة، والمطالبة بالخروج الفوري لقوات الاحتلال من أرض الرافدين مهد الحضارة الإنسانية منذ فجر التاريخ.
إن التاريخ يعلمنا أن الاحتلال هو مشروع استعماري فاشل، وأن تجربة المحتلين في فلسطين والعراق تؤكد بوضوح أن الاحتلال هو أعلى مراحل الإرهاب، وأن الاحتلال يفجر المقاومة، وزرع الإرهاب يولد مزيداً من الإرهاب، وإن النصر في النهاية يكون للمقاومين والخذلان والانسحاب للمحتلين، وبالتأكيد تدفع الشعوب ثمناً كبيراً في قتالها ضد المحتلين من دمها ومن تضحيات شهدائها، هذا هو ثمن الحرية.
وهناك أكثر من شهادة رسمية على واقع المشهد العراقي المليء بالآلام والمفعم بالآمال في انتصار المقاومين وهزيمة المحتلين، فمن شهادات السياسيين الأميركيين بأن «أميركا تخسر الحرب على الإرهاب».. وبأن «المشروع الأميركي في العراق يواجه الفشل».. «وبأنها حرب غير عادلة وغير مشروعة قامت على الأكاذيب».. «وأن العالم أصبح أقل أمناً بعد الغزو»..
ومن شهادات العسكريين الأميركيين بأن «أميركا خسرت الحرب الإعلامية مع الإرهابيين».. وبأن «الخطط قد بدأت لسحب تدريجي لقواتها من العراق».. وبأن «القتلى من الضباط والجنود الأميركان تجاوزوا 2270 قتيلاً»..، وأن «الجرحى تجاوزوا 16500 جريح»..
ومن شهادات الاقتصاديين الأميركيين بأن ما تكبده الاقتصاد الأميركي للحرب على العراق قد تجاوز «200 مليار دولار».هذه الشهادات كلها تشير إلى حقيقة أن من يزرع الشر لا يحصد إلا الشر.. وأن خسائر وفشل المحتلين الأميركيين في العراق قد أعاد إلى الأذهان شبح خسائر الأميركيين في فيتنام.. تلك الخسائر وذلك الفشل الذي حفر في الوجدان الأميركي ما يعرف بـ «عقدة فيتنام».
إن الحقيقة الماثلة أمام الجميع الآن هي أن القوات الأنجلوأميركية المحتلة قد انزلقت إلى قاع المستنقع العراقي بفعل الورطة التي أغرقتها فيها الإدارة الأميركية وتابعتها البريطانية، ولم تعد قادرة على الخروج الكريم كما لم تعد قادرة على البقاء الآمن.
وتشير تقارير رسمية إلى تدني الروح المعنوية، وتآكل القدرة القتالية لدى الضباط والجنود المحتلين في العراق بسبب حالة خيبة الأمل واستحالة تحقيق النصر وهذا باعتراف جنرالات البنتاغون أنفسهم.وتشير هذه التقارير إلى أن الإدارة العراقية الأميركية عاجزة تماماً عن إيجاد حل للخروج من المأزق،
بالإضافة إلى عدم فعالية العمليات العسكرية الأميركية وزيادة الخسائر في الأرواح من ناحية ومن ناحية أخرى تنامي حالة الرفض للحرب لدى الشارع الأميركي، مما يضاعف بالتالي من حالة انهيار الروح المعنوية والقدرة القتالية للقوات الأميركية والبريطانية.
وتؤكد هذه التقارير تزايد حالات هروب الجنود (غياب بدون إذن) من وحداتهم، وأشارت تقارير صحافية إلى أن الجزء الأكبر من هؤلاء الهاربين يتوجه إلى تركيا عبر ممرات حدودية غير شرعية خاصة في مدينة «دهوك» مقابل مبالغ مالية يتقاضاها أكراد يسيطرون على هذه المعابر.
كما تشهد الولايات المتحدة نفسها تزايد أعداد الهاربين من الجندية والغائبين عن وحداتهم والرافضين تحت أعذار مختلفة التوجه إلى العراق أو تمديد عقودهم مع وزارة الدفاع.ومن ناحية ثانية فإن قوات الاحتلال في العراق سجلت تزايد حالات الانتحار والانهيار العصبي والنفسي والمشاجرات بين الجنود نتيجة فقدان الأعصاب!!
وتعترف مصادر رسمية أميركية بأن ما يزيد على 30% من العسكريين الأميركيين الذين عادوا من العراق يعانون من مشكلات نفسية وعصبية وعضوية ومعنوية. وقد تم ترحيل نحو 400 عسكري أميركي من العراق في غضون الأشهر الستة الأخيرة بسبب الاختلال العقلي أو الانهيار العصبي!! بينما تكشف المصادر غير الرسمية أن عدد المصابين عقلياً ونفسياً العائدين من العراق قد تزايد لدرجة عجزت معها المؤسسات الطبية العسكرية في أميركا عن تقديم العلاج لجميع المرضى.
لكن الذي يثير الذعر في دوائر البنتاغون هو ارتفاع حالات الانتحار بين العسكريين الأميركيين وأوردت هذه المصادر مثالاً بحسب الصحف العسكرية الأميركية يشير إلى أن الفرقة الثانية لمشاة البحرية تعد الأعلى في أعداد المنتحرين حيث تم تسجيل نحو 150 محاولة انتحار من بينها 42 حالة انتحار فعلية من أوائل فبراير الماضي.
ومما يثير الانتباه أن الفحوص الطبية والاستطلاعات الاجتماعية التي أجريت في سبتمبر الماضي في هذه الفرقة نفسها والتي تعد من أكثر وحدات الجيش الأميركي كفاءة واستقراراً نفسياَ ومعنوياً أظهرت أن نحو 37% من أفراد الفرقة يعانون من حالات ركود ذهني واضطرابات عائلية وانتهت هذه البحوث إلى نتيجة مفادها أن استمرار الحرب في العراق يؤدي إلى تضاعف حالات الطلاق بين العسكريين.
من جهة أخرى شكا نحو 25% من العسكريين المشاركين في الفحص الطبي من مظاهر التمييز العنصري، و90% من المجندات و 18% من المجندين يشكون من تعرضهم للاغتصاب أو للتحرش الجنسي، و67% من العسكريين يشكون من قلة التشجيع المادي، و64% من عدم الرعاية الاجتماعية لعائلاتهم.
وقد تزايدت في الآونة الأخيرة توالي زيارات المسؤولين الأميركيين والبريطانيين لرفع معنويات جنودهم التي يتوالى هبوطها بصورة مستمرة.. ويحاول البنتاغون مواجهة هذا الهبوط بزيادة التشجيع المالي، وبدءا من سبتمبر الماضي ارتفعت قيمة التأمين على حياة العسكريين من 50 إلى 400 ألف دولار بالإضافة إلى الوعود بامتيازات أخرى كالتجنيس والترقية والتأهيل.
إن الخسارة الأميركية في سمعتها الدولية لا يمكن تعويضها، وإفلاس شعاراتها بالديمقراطية فشل في النموذج العراقي، كما أن مزايدتها على الآخرين في حقوق الإنسان قد أصبحت عارية من أي غطاء خصوصاً في «أبو غريب»، و«غوانتانامو».. حتى تدنت شعبية الرئيس الأميركي بوش بسبب هذه الحرب إلى 38% فقط في آخر استطلاعات الرأي الأميركية.
.. الإدارة الأميركية فعلاً في مأزق صعب في العراق، وخسارتها المادية والمعنوية في العالم أكبر، وثمن الاحتلال باهظ، وليس أمام المحتلين إلا حصاد الأشواك.
كاتب مصري
mamdoh77t@hotmai.com