في خضم اندفاعتنا نحو التطور، وإظهار أنفسنا بمظهر المتحضرين المتحررين من القيود والموروثات القديمة، نرجو ألا ننتهج نهج من انتقدناهم ورفضنا فكرهم المتطرف.
أقول لكم هذا الكلام بعد أن شاعت ظاهرة التطرف المعاكس في المواقف، ولا أدري لماذا يحاول بعضنا أن ينجر دوماً إلى الأجناب بدلاً من الوسط، خاصة واننا كنا ولا نزال «أمة وسطاً» كما جاء في أساسيات ديننا الحنيف، وما أثبتته التجارب العملية منذ أن مارس سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم إدارة الدولة ومن بعده الصحابة الراشدون رضوان الله عليهم،
فإن كان تطرف تلك المجموعات التي ظهرت في العقود الأخيرة مرفوضاً من قبل الغالبية العظمى من أبناء الأمة، فإن ردة فعل بعض الجهات بتطرف في الاتجاه الآخر، وهو اتجاه إلغاء الأسس القائمة عليها انتماءاتنا وما استقرت عليه مجتمعاتنا، تكون ردة الفعل هذه أيضاً مرفوضة،
فنحن وإن كنا قد أنكرنا فتاوى المتحجرين وأصحاب النزاعات الفئوية الضيقة، وحاربناها بتبيان سماحة ديننا وكفالته للحرية في الفكر والمذهب والرأي، استناداً إلى ما نص عليه قرآننا الكريم من تمييز بين الناس بجعلهم شعوباً وقبائل ليتعارفوا، ودفع الناس بعضهم لبعض حتى لا تفسد الأرض، فنحن أيضاً وفي ظل الواقع الذي نرى،
لابد أن ننكر على هؤلاء الذين يتسابقون نحو التنكر والتنصل من ثوابتنا، ومحاولاتهم، في سبيل الحصول على شهادات براءة ذمة غير مصدقة، كسر الأعراف والتقاليد المترسخة فينا، ننكر عليهم ذلك لأنهم يجبروننا غصباً عنا نحو تطرف من نوع آخر.
المساحة الوسطى متسعة ورحبة، وهي التي يقف فيها أغلب الناس، فلا هم مع هذا الطرف ولا مع ذاك، فيها الصفاء مع النفس، وفيها الرضا، وفيها احترام الآخرين، وفيها التمسك بأهداب الدين، لا غلو ولا مغالاة، ولا تهديد ولا ترهيب،
ولا اعتداء ولا تحيز، ولا اتباع لخارجين عن رأي الأمة، ولا خضوع لرغبات أمم أخرى، مساحة فيها الحلال بين والحرام بين، وكل إنسان وما اختار لنفسه، وليس ما اختاره له غيره، فهذه أمة كبيرة بما لديها من أئمتها، لا تنتظر أن يقول لها «موتور» مريض النفس والعقل ما هو الحرام، ولا تقبل أن يعلمها «حاقد» ما هو الحلال.
نسأل الله الرشاد والهدى لنا ولجميع الذين اهتدوا بهدي الله الواحد الأحد.
myousef_1@yahoo.com