هل اعتاد الناس لدينا على ظاهرة الزحمة المرورية حتى أصبحت كمرض السكري الذي أصبح من الممكن التعايش معه؟ فقد قل طرح هذا الموضوع في جرائدنا المحلية في الآونة الأخيرة. إن كان الأمر كذلك، فإننا نريد إعادة طرح هذه المشكلة ولكن من زاوية أخرى. فبعيدا عن كل الكلام الذي قيل في زحمة السير لدينا في المدينة، وبعيدا عن كل الآراء التي اكتفت بالشكاوى والتذمر الذي نشر على صفحات الجرائد، أستعرض اليوم بعضاً من الحلول المقترحة من وجهة نظري لحل أزمة المرور لدينا، متمنية الإسهام بأفكاري لاقتراح حلول قد تكون فاعلة وعملية.
1- أن يعمل سكان البرين كل في بره، فيعمل ساكن بر ديرة في ديرة، ويعمل ساكن بر دبي في بر دبي، وذلك قدر الإمكان وحسب المستطاع، تجنبا لكثرة التنقل من بر ديرة إلى بر دبي وما يصاحب ذلك من اختناق للسير عند نقاط تلاقي البرين. وهنا يجب أن تتكاتف جهود عدة مؤسسات حكومية معا لتطبيق هذا الحل.
2- أن يكون توزيع مواقع الأراضي الممنوحة من قبل الحكومة للمواطنين حسب أماكن عملهم، وليس حسب مناطق سكنهم الحالية. بالرغم من أن المواطنين أقلية، ولا يساهمون إلا بنسبة ضئيلة في حركة المرور، ولكنه حل مساعد.
3- أن تفتح الشركات ذوات الأفرع الوحيدة في أحد البرين فروعاً أخرى لها في البر الآخر، يعمل فيها سكان البر الآخر الذين يتنقلون من بر إلى بر للوصول إلى أماكن أعمالهم. وهنا يبرز دور الحكومة في منح تسهيلات مغرية للشركات التي تقوم بفتح فروع أخرى لها في البر الآخر.
4- أن يتم تغيير أوقات بدء الدوام الرسمي للشركات والمؤسسات العاملة في المدينة وذلك حسب تصنيف محدد، كأن تفتح البنوك مثلا في الساعة السابعة، والدوائر الحكومية والوزارات في الساعة الثامنة، والشركات الخاصة في الساعة التاسعة، وهكذا. ولا مانع من أن يمتد هذا الجدول ليشمل شركات تفتح في العاشرة أو الحادية عشرة. فالمهم في الأمر إنجاز الأعمال اليومية بغض النظر عن وقت إنجاز تلك الأعمال، وبخاصة تلك الأعمال التي لا يتطلب إنجازها اتصالا وثيقا بين الشركات والمؤسسات المختلفة العاملة في المدينة أو خارجها.
5 - أن يتم توزيع أماكن العمل على كامل مساحة دبي، بدلا من تركيزها في مناطق محددة.
6- أن يتم العمل في الشركات والمؤسسات بنظام الورديات كل حسب نشاطه وقدر إمكانه. ولأن من طبائع الموظفين عدم الارتياح للورديات المتأخرة في الليل، فبإمكان الشركات إغراء الموظفين عن طريق عرض امتيازات إضافية، أو عن طريق تقليل مدة العمل ساعة في الورديات المتأخرة. وهذا حل جد مساعد للأزمة المرورية، خاصة وأن مدينة دبي تستقطب موظفين كثيرين من إمارات أخرى. فالزحمة الخانقة ليست بسبب عدد السكان في دبي فحسب، بل بسبب تدفق الكثير من الموظفين من الإمارات الأخرى أيضا.
7- فرض ضرائب على الموظفين الساكنين خارج إمارة دبي والعاملين فيها. فأغلب السيارات المسببة للأزمة تأتي من مدن أخرى مجاورة معروفة بقلة إيجارات السكن لديها، ما يدفع الموظفين للسكن فيها والعمل في مدينة دبي ذات الوظائف ذات المدخول السنوي المرتفع. وأعتقد أن من العبث توسيع طريق دبي - الشارقة، فهذا من شأنه تدفق أعداد هائلة من السيارات من المدن المجاورة وفي زمن قياسي، ما يؤدي إلى انخفاض قيمة الإيجارات في دبي، بالإضافة إلى إرباك حركة السير، كما حدث عند فتح المخرج المؤدي إلى منطقة الممزر على ذات الطريق.
8- أن يتم فرض رسوم على السيارات التي تستخدم طرقا معروفة باكتظاظ السيارات فيها، كطريق الشيخ زايد، وعلى الحدود بين إمارة دبي والشارقة مثلا، وذلك في أوقات معينة من اليوم وفي أوقات الذروة، على غرار الرسوم التي تفرض على المواقف العامة.
9- أن يتم توزيع الخدمات الضرورية والكمالية العالية الجودة لسكان البرين كل في بره، كالحضانات، والمدارس والمنتجعات والنوادي الصحية، والعيادات الخاصة ومراكز التسوق التي تخدم شريحة معينة من السكان، والتي تدفعهم للسعي وراءها عن طريق التنقل من بر إلى بر.
10- على الجهة المعنية بحل هذه المشكلة، بحث الأسباب التي تقود إلى ترحال الناس من بر إلى آخر، وعلى إثر ذلك، حل مشكلة الأزمة المرورية.
ويا حبذا لو فرضت وزارة التربية والتعليم على الطلاب الذهاب إلى مدارسهم عن طريق ركوب الحافلات التي توفرها المدارس. فهذا من شأنه تخفيف الزحمة بصورة كبيرة. وهذا حل من الممكن أن يكون واقعيا، بعكس الحل الذي طرحته بلدية دبي منذ فترة وهو ركوب الموظفين في الحافلات. كما على الجهة المعنية بحل أزمة المرور إضفاء طابع الإبداع والذكاء على الحلول المقترحة، فعدد السكان والسيارات في ازدياد مطرد، بينما يقوم الجميع باستخدام طرق السير ذاتها.
وبنظرة فاحصة نجد أن الشوارع تكتظ بالسيارات في أوقات محددة، وتخلو تماما في أوقات أخرى، ولا نريد أن نجتمع كلنا على قصعة صغيرة في ذات الوقت. فالمسألة ليست مسألة صغر القصعة، بل مسألة تنظيم التوافد عليها. كما يجب أن يكون لدى الحكومة الرؤية البعيدة لمشكلات المرور، والبحث عن حلول لها بدءا من الآن، بما يضمن عدم إعادة فتح هذا الملف في المستقبل. فمثلا، هل فكرت الجهات المختصة في الأزمة الخانقة التي سيسببها افتتاح نخلة ديرة على شارع الخليج في المستقبل؟ فمساحة بهذا الحجم، تأوي عددا ضخما من السكان، لا بد وأن يكون لها أصداء جد مثبطة على الصعيد المروري. وهذا بدوره سيتسبب في هبوط أسعار العقارات في تلك المنطقة، التي بدأت أصلا بأسعار خيالية.
وللسائقين نقول، احتفظوا بألبوم من الموسيقى الكلاسيكية الهادئة في سياراتكم، واستمعوا إليها وقت الحاجة، فهي مضادة للتوتر، ومساعدة لتخفيف وطأة الزحمة الخانقة وعجرفة بعض السائقين على أعصابكم.
laila_badri@yahoo.com