بعد الحرب على الإرهاب يراهن وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد على كسب الحرب الإعلامية الشاملة. بعد ما فعلت أميركا وما زالت تفعله من أعمال وخطط وانتهاكات باسم الحرب على الإرهاب ونشر الديمقراطية والحرية في العالم، يرى رامسفيلد أن أميركا مقصرة في الحرب الإعلامية والحرب النفسية، ويرى أن أعداء أميركا نجحوا في استعمال وسائل الإعلام وتسخيرها لتشويه الواقع ولتقديم صورة سلبية عن الولايات المتحدة الأميركية.
وحتى قصة الأخبار التي كان يشتريها البنتاغون في وسائل إعلامية عديدة كذبها رامسفيلد وقال إنها مجرد إشاعات ودعاية لتجنيد الرأي العام الدولي ضد أميركا. كما مدح وزير الدفاع الأميركي الآلة الإعلامية الأميركية وعلى رأسها الوكالة الأميركية للإعلام إبان الحرب الباردة والأعمال التي قامت بها من خلال راديو أوروبا الحرة وغيرها كثير من وسائل الإعلام وطرق الدعاية والدبلوماسية العامة لكسب معركة الإعلام الشاملة آنذاك.
ما لم يدركه رامسفيلد هو أن العلاقات العامة والإعلام والدعاية والحرب النفسية كلها طرق ووسائل واستراتيجيات تفشل أمام الواقع وأمام الحقيقة وأمام عدسات الكاميرات وعلى شاشات التلفزيون. إن صور أبو غريب وغوانتانامو وقصف الأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ وقصف مقرات القنوات التلفزيونية وقتل الصحافيين كلها أعمال لا تستطيع تقنيات الاتصال والإقناع والحرب النفسية أن تمحيها من ذاكرة الشعوب وتجعلها في خانة النسيان لتذكرهم ب«الأفعال الحميدة» و«المساعي الديمقراطية» و«الإنسانية» للولايات المتحدة الأميركية. نسيت أميركا أن العالم تغير وأن المقارنة بالحرب الباردة والحرب العالمية الثانية مقارنة خاطئة ولا أساس لها من الصحة. العالم تغير.
وأصبحت الفضائيات تنقل مباشرة الأعمال الوحشية والإجرامية والتجاوزات والاعتداء على الصبية والمساجين والعزل من الشيوخ والأطفال والنساء إلى مجالس الناس بدون قيد ولا رقابة، كما انتشر الانترنيت وأصبح يمثل وسيلة أخرى للحصول على الرأي والرأي الآخر والوصول إلى معلومات كانت عملية الحصول عليها في الماضي القريب من المستحيلات العشرة. إن مبدأ الحرب على الإرهاب مبدأ خاطئ من أساسه وأميركا تحاول أن تحارب الإرهاب بالإرهاب وتحاول أن تقرر الأمن والسلام والديمقراطية بالقوة والعنف وانتهاك حقوق الناس وفقا لمصالحها وأهدافها واستراتيجيتها في الشرق الأوسط وفي العالم.
من جهة أخرى وعلى عكس ما كتبه رامسفيلد في مقاله، «كسب الحرب الإعلامية الشاملة» هو أن الولايات المتحدة الأميركية استثمرت بسخاء في الحرب النفسية وفي الدبلوماسية العامة من أجل الاستحواذ على عواطف وعقول البشر في جميع أنحاء العالم ـ وللعلم تتمتع أميركا بخبرة كبيرة في هذا المجال- وعلى سبيل المثال أنشأت أميركا قناة الحرة، وراديو سوا وأنشأت منصباً جديداً لمساعد وزير الخارجية لشؤون الدبلوماسية العامة ـ والذي تناوبت عليه ثلاث سيدات في غضون ثلاث سنوات- كما أنفقت ملايين الدولارات من خلال سفاراتها وقنوات أخرى لكن بدون جدوى.
فمعركة كسب الرأي العام تحتاج إلى منطق وإلى حجج وأدلة قاطعة صادقة ومبنية على الحقائق وبراهين. أميركا تفتقد إلى كل هذه الأمور مما جعلها تفقد سمعتها في العالم، ومما جعلها تظهر بصورة شرطي العالم الذي يريد إقرار الأمن والاستقرار لكن بالقوة وبالعصا وبالخروج عن القانون. على صناع القرار في أميركا أن يرجعوا إلى بعض السياسيين والمفكرين وأصحاب الرأي ليعرفوا أن نسبة كبيرة من الشعب الأميركي غير موافقة على ما تقوم به أميركا في الحرب على الإرهاب. وأخطر من هذا هو عندما تصرح منظمة دولية بحجم منظمة الأمم المتحدة وعلى لسان أمينها العام بضرورة غلق سجن غوانتانامو وأنه من غير المعقول ومن غير المنطقي أن تسجن أميركا مئات الأشخاص بدون محاكمة وبدون أدلة وحجج قاطعة تؤكد تورطهم في أعمال إرهابية.
من جهة أخرى يبدو أن وزير الدفاع الأميركي نسي قصة وزارة الدفاع والدور الذي لعبه سواء في حرب الخليج الثانية أو الحرب الحالية على العراق. لقد تفننت أميركا في تنظيم مؤتمرات صحافية وإيجازات صحافية يومية من خلال المركز الإعلامي للقوات الأميركية في السيلية بقطر والبنتاغون ووزارة الخارجية والبيت الأبيض أي أربع إيجازات صحافية يومية بهدف إيصال وجهة نظر أميركا للعالم والكشف عن ما يريده العم سام وإخفاء ما يكشف عن المستور ويكشف عن الوجه الآخر «للديمقراطية الأميركية» و«حقوق الإنسان» على الطريقة الأميركية.
هذا بالإضافة إلى إدماج الصحافيين في القوات العسكرية الأميركية للقيام بتغطية الحرب والخروج إلى الميدان- وهذا ما اعتبره الجميع خرقا لحرية الصحافة ورقابة صارخة لتغطية الحرب ونقلها للعالم. يدعي رامسفيلد أن الآلة الإعلامية الأميركية الرسمية وكذلك مسؤولي الإعلام والعلاقات العامة والدبلوماسية العامة في القوات المسلحة الأميركية لا يتحكمون جيدا في اللعبة الإعلامية ولا يعرفون كيف يتفاعلون بسرعة وفاعلية مع الأحداث والوقائع اليومية وهذا على عكس أعداء أميركا الذين أصبحوا يتحكمون في الحرب النفسية واللعبة الإعلامية بشكل أفضل من الأميركيين. كما يدعي وزير الدفاع الأميركي أن أعداء أميركا والقاعدة والمتطرفين، حسب قوله، أظهروا قدرة كبيرة في التلاعب بالحقائق وبالرأي العام وبتشويه صورة أميركا ومساعيها في تحقيق الديمقراطية والعدالة والمساواة واحترام حقوق الإنسان في العالم.
ما تجهله أميركا أو تتجاهله هو أن كسب الرأي العام لا يتم بمجرد التحكم في تقنيات الدعاية والإعلام والحرب النفسية والعلاقات العامة والدبلوماسية العامة. الأمر أهم من ذلك بكثير ويتعلق بالأفعال في أرض الميدان وبما يتحقق ويُنجز في أرض الواقع. ما يحدث في العراق هذه الأيام يفند جملة وتفصيلاً ادعاءات رامسفيلد وكوندوليزا رايس وغيرهما من صناع القرار في أميركا. الأمور تتعقد يوماً بعد يوم وأوضاع العراقي البسيط تزداد سوءاً يوماً بعد يوم. صورة أميركا لا تتحسن ولن تتحسن حتى ولو استعمل البيت الأبيض والخارجية الأميركية والبنتاجون أكثر أساليب الإعلام والدعاية والحرب النفسية نجاعة وفعالية في العالم. ما تحتاجه أميركا هو ليس الدبلوماسية العامة وكسب المعركة الإعلامية، بل أميركا تحتاج إلى إعادة النظر في سياستها الخارجية وفي إعادة النظر في مفهومها للإرهاب ولحقوق الإنسان وللعلاقات الدولية.
أستاذ الإعلام ـ جامعة الشارقة