تعترض التعددية السياسية العربية عدد من العقبات التي لا يمكن تجاهلها، فعلي الصعيد الداخلي هناك طبيعة الأنظمة السياسية، وبعض الحكام العرب لا يقبل أن تتحول الديمقراطية إلى وسيلة لإخراجه من الحكم الذي حازه مغالبة ولذلك فإنه ـ وان لم يصرح بذلك علنا ـ يعتنق مبدأ ما أخذ بالقوة لا يمكن ان يسترد بغيرها فهو لا يقبل بهذه الديمقراطية إلا إذا كانت وسيلة لتقوية أسباب استمراريته وبقائه في الحكم وليست من اجل تداول السلطة وإحلال آخر محله.

هذا في الواقع ما أثبتته كل التجارب الانتخابية التي جرت في ظل هذا النوع من الديمقراطية المقيدة، فلم تأت أي منها بأغلبية برلمانية في صفوف المعارضة أما الانتخابات الرئاسية فهي مجرد مظاهرة لتجديد البيعة ولهذا فإن هذه الأنظمة لم تسمح بالدخول إلى الشرعية والتعددية إلا للقوى، التي تعترف صراحة أو ضمنا بحق الحاكم غير القابل للتصرف في أن تبقى ـ حوزته ـ خارج قانون تداول السلطة وأن تكتفي هذه القوى بدورها كمعارضة تتمتع بنقد الحكومة التي لا تملك ضرراً ولا نفعاً بجانب الحاكم المتربع على هرم السلطة وقاعدتها معاً.

أما القوى التي لا تقبل بهذا النوع من التعددية أو التي لها امتدادات بين الجماهير فإنه يتم إخراجها من لعبة التعددية والشرعية حتى لا يضطر الحاكم في حالة تحقيقها لنتائج محرجة له إلى إلغاء اللعبة وإعلان الحرب عليها وهي داخل الشرعية فالأفضل هو اتباع سياسة القمع والتصفية ضدها على أساس أنها قوى إرهابية تقع خارج القانون ولاسيما أن مثل هذه السياسة تحظى بالمؤازرة والتعاون النشط من قبل الغرب في زمن العولمة والدمقرطة والإرهاب.

أما على الصعيد الخارجي فإن سياسة الانفتاح والتعددية تواجه عقبات أخرى منها:

1ـ إنها ليست سياسة نابعة من مشيئة الأنظمة السياسية بل جاءت نتيجة للضغوط التي يمارسها الغرب على معظم الحكام الذين لم يستطيعوا إدراك مصالحهم ومصالح حلفائهم في ظل المتغيرات الدولية ولهذا فإن حجم وحدود هذا الانفتاح تقرره مشيئة هذه القوى حسب مقتضيات مصالحها، فقد ترى من الضروري توسيع الدائرة لكي تشمل قوى وتيارات لا يرى فيها الغرب عدوا حقيقياً لمصالحه وقد يترك للحاكم سلطة تقديرية في إبعاد قوى أخرى يعتبر الغرب دخولها إلى ساحة التعددية تهديدا لمصالحه الاستراتيجية.

2ـ تعاني سياسة الانفتاح والتعددية من الشكوك وعدم المصداقية لأنها جاءت وكأنها هبة مقدمة من الغرب لقوى المعارضة والجماهير في مقابل تخليها عن جملة من القضايا وعدم معارضتها للاحتلال واعترافها بسياسة إعادة ترتيب أوضاع المنطقة على ضوء مصالح واستراتيجيات الغرب، فبدا الأمر وكأن الولايات المتحدة والغرب عموماً قد مارسوا ضغطاً على الأنظمة لتخفف من قبضتها وتشيع نوعا من حرية الحركة السياسية والتعبير المقيدين في أوساط جماهير تعانى من تسلط وقهر عمره عدة قرون في مقابل أن تعترف هذه الجماهير وقواها السياسية بشرعية واحترام تصرفات بعض حكامها المتعلقة بسياسات التنازل في القضايا القومية والقبول بالاحتلال كحل لمعاناتها المزمنة.

لقد بدا هذا الوضع في ظل سياسة الانفتاح وكأن الجماهير العربية محكوم عليها أن تظل على الدوام تدور في حلقة المقايضة غير المربحة فقد سبق لها أن عاشت مرحلة أخرى من المقايضة رهنت فيها الحرية السياسية في مقابل التنمية والتقدم وتحرير الأرض وهكذا فإن مشهد المقايضة هذا لا يتغير رغم تعاقب المراحل والأجيال تارة طرفه السلطة العربية وتارة طرفه الغرب.

ولهذا فإن الخطاب التعددي والانفتاحي يظل محكوما بشبه مسلمتين أولهما هو أن هذه التنازلات لا تمثل في الواقع استجابة حقيقية لطموحات الجماهير ونزولا عند إرادتها التي فرضتها بفضل فعلها الجماعي بل هي تنازلات يقدمها الحاكم للغرب الذي لم يعرف عنه خلال علاقته الطويلة والمضنية مع العرب تقديره أو حرصه على مصالحهم. أما ثاني هذه المسلمات هو أن مفهوم الديمقراطية الذي يعرضه الحاكم لا يعني سوى أنها وسيلة لتأكيد بقائه واستمراريته في السلطة.

يبدو أن الساحة السياسية العربية ستظل يتقاسمها أربعة أطراف أولها السلطة العربية التي تمتلك الدولة بإمكانياتها المادية وثانيهما يتمثل في التيار الاحتجاجي الإسلامي الذي يظهر كقوة أكثر تنظيما وحركية من أية قوة سياسية أخرى. وثالث هذه الأطراف هو خليط من القوي السياسية والأحزاب المعارضة، التي تشترك جميعها في المطالبة بالديمقراطية وبناء المجتمع المدني بينما يظل الغرب الطرف الرابع الذي يتمنى البعض محالفته والبعض الآخر حياديته ولكن مصالحه هي التي تقرر خلف من ينبغي له أن يلقي بثقله الفاعل والحاسم في الحياة السياسية لمجتمعات تنتظر المدد على الدوام وتفتقد أغلبيتها إلى روح الفعل الجماعي.

كاتب ليبي ـ جامعة بنغازي