كلام المدير العام لوكالات الاستخبارات الأميركية الـ 15، جون نيغروبونتي، عن العراق ومخاطر أوضاعه على نفسه كما على جواره؛ ملفت ويستدعي التوقف عنده. لقد قال: «إن حرباً أهلية في العراق ستكون لها انعكاسات على بقية دول الشرق الأوسط وعلى العالم؛ حيث إن احتمال اندلاع صراع إقليمي أمر ممكن»!
ورد هذا التحذير في إفادة المدير قبل يومين أمام لجنة الشؤون العسكرية في مجلس الشيوخ الأميركي. أهميته، بل خطورته تكمن في نقاط عدة.
أولها الإشارة، على لسان مسؤول أميركي بهذا المستوى، إلى حرب أهلية عراقية ووضعها في خانة الاحتمال؛ وفي سياق يعطيها طابع الترجيح. أو على الأقل يضعها في إطار يفيد بأن مثل هذه الحرب لم تعد مستبعدة.
ثانيها، إشارته إلى التداعيات الإقليمية لمثل هذا التطور، لو وقع. وكأن في كلامه تلميحاً مبطناً إلى حالة «الفوضى البناءة» المطروحة كممر، إجباري أو مرغوب، لا بد للمنطقة من سلوكه؛ كي تستقيم أوضاعها مع المواصفات المطلوبة لإقامة «شرق أوسط جديد»!
ثالثها أن ملاحظة نيغروبونتي جاءت على خلفية تدهور واسع وخطير؛ تجلى في مسلسل تفجيري متصاعد، حصد ولا يزال يحصد العشرات يومياً وأدى، باستهدافه المقدسات إلى تأجيج الحساسيات والصراعات المذهبية على نحو غير مسبوق.
ثم رابعاً ان مثل هذا الكلام صدر عن الرجل الذي تصب على مكتبه خلاصة المعلومات الاستخباراية الأميركية؛ على أنواعها وتعدد جهاتها ووكالاتها. أي عن الرجل العارف بدقائق الأمور والأسرار بل بتفاصيل السياسات والتوجهات. وهذا بحد ذاته يعد سبباً لأخذ ما قاله على محمل الجد وبالتالي التصرف على أساسه، لوقف تدحرج كرة النار العراقية المتدحرجة بسرعة صوب الاتجاه القاتل.
مثل هذه المخاوف كانت دوماً واردة، رغم التطمينات العراقية، والسبب في ذلك أن المفاتيح ليست كلها بأيدي العراقيين. وتطور الأحداث هو الذي يتحكم بمجرى الردود وتداعياتها. الرئيس شيراك حذر، من فترة، من انفتاح «أبواب جهنم» في العراق؛ لو سارت الأوضاع في المجرى المتفجر.
الأمين العام للجامعة العربية، تحدث هو الآخر عن احتمال انفتاح مثل هذه الأبواب؛ منذ وقوع الاحتلال. والآن يأتي نيغروبونتي ـ الذي سبق له أن تسلم منصب حاكم العراق، لفترة، بعد بريمر؛ وقضى أشهر عدة في بغداد ـ وبعد ثلاث سنوات تقريباً من سقوط بغداد؛ ليضع مثل هذا الاحتمال على الطاولة.
وما يزيد من التخوف، بل ما يزيد الطين بلة، أن الخلافات والتوترات السياسية الداخلية في العراق لا تقل في حدتها، الآن عن حدة وفظاعة دورة العنف المنفلت، والمفتوح على المجهول. وتدليلاً على خطورة الأوضاع، ذكرت «نيويورك تايمز» أمس أن قرار تخفيض القوات الأميركية الذي كان متوقعاً اتخاذه في مارس الجاري قد يؤجل. أو على الأقل لن يعلن في حينه. العراق متدهورة حالته اليوم أكثر من أي وقت مضى، على الجبهتين الأمنية والسياسية. في ضوء هذا الواقع ينبغي التعامل مع توصيف نيغروبونتي للحال وكأنه قرع لناقوس الخطر.
انتباه.. الأوضاع تسير باتجاه الخطوط الحمراء التي لا يقوى أحد على تحمل تبعات اجتيازها.