منذ طرح الرئيس بوش خطته المتعلقة بنشر الديمقراطية في الشرق الأوسط (نوفمبر 2003)، في إطار سعيه لإعادة هيكلة المنطقة، وصولا لمشروع الشرق الأوسط الكبير، أبدت إسرائيل تحفّظها على هذه الخطة، وتخوّفها من التبعات السياسية التي يمكن أن تنجم عنها.
للوهلة الأولى بدا هذا الموقف الاعتراضي الإسرائيلي مستغرباً، فإسرائيل بالذات طالما ادّعت تخوّفها من وجودها في محيط عدائي غير ديمقراطي، وطالما تملّصت من عملية التسوية، وضمنها «مشروع السلام العربي» الصادر عن قمة بيروت (مارس 2002) بدعوى أن السلام يستدعي وجود نوع من الثقة بين الأطراف وأنها لا تثق بالنظام العربي، الذي يفتقد للديمقراطية بحسب رأيها!
وكما هو معروف فإن إسرائيل هذه، ومنذ قيامها، على حساب نكبة الشعب الفلسطيني والأمة العربية، اعتبرت ذاتها واحة للديمقراطية والحداثة في الشرق الأوسط! سعيا منها للتغطية على واقعة الاغتصاب والعدوان، جرياً على عادة النظم الاستعمارية التقليدية.
وكان دوف فايسغلاف (مدير مكتب شارون وممثله لدى البيت الأبيض) اشتهر بتصريح له قال فيه بأن إسرائيل لن تقدم على خطوة تسوية أخرى مع الفلسطينيين، بعد خطة الانسحاب الأحادي من قطاع غزة، إلا بعد تحول الفلسطينيين إلى فنلنديين أو نرويجيين!
على أية حال فقد كذّبت الوقائع هذه الادعاءات الإسرائيلية، فإسرائيل تريد من الفلسطينيين خصوصاً، ومن العالم العربي عموماً، الاعتراف بحقها في الوجود، والتنازل عن الحقوق، ولا يهمها فيما بعد من الذي يدير السلطة هنا أو هناك، بدليل أن إسرائيل نفسها انقلبت على نتائج الانتخابات الديمقراطية الفلسطينية، في المرة الأولى إبان وجود الرئيس ياسر عرفات، وقامت بحصاره وعزله وربما اغتياله،
برغم كل التقديمات التي أبداها لعملية التسوية، وبرغم اعترافه بإسرائيل، وذلك لمجرد أنه رفض التنازل عن حق الفلسطينيين في إقامة دولة لهم في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 (الضفة والقطاع).
وفي هذه الآونة تقوم إسرائيل مجدداً بمحاولة وأد التجربة الديمقراطية الفلسطينية، بدعوى أنها جاءت بحركة متطرفة (حماس) إلى سدّة السلطة، بدون أن تؤكد مسؤوليتها عن هذه النتيجة بحكم استهتارها بالسلطة الفلسطينية وإحراجها أمام شعبها ورفضها تقديم الاستحقاقات المطلوبة منها في عملية التسوية.
هكذا يمكن القول بأن إسرائيل لم تكن يوما حريصة على تسيّد الديمقراطية في النظم السياسية للمنطقة العربية، بل إن طبيعة وجودها، بحد ذاته، كان أحد أهم أسباب غياب الديمقراطية، وانتشار التوترات وتفشّي روح العسكرة وسيادة الدولة الأمنية في هذه المنطقة.
وإسرائيل هذه بالذات تدرك أكثر من غيرها حقيقة أنها تستمد قدرا كبيرا من استقرارها وقوتها من هذا الخلل في النظام العربي، أي من الفجوة بين الحكومات والمجتمعات، وخصوصا من تدنّي قدرة المجتمعات العربية على تنظيم ذاتها والتعبير عن إرادتها واستنهاض قواها.
وتبيّن التجربة المعاشة أن إسرائيل كانت، على الدوام، أكثر ميلا لمخاطبة الأنظمة السائدة وكسب ودها، على خلاف المزاعم الناجمة عن خطابها الديمقراطي المعلن، بدليل أنها عقدت معاهدات التسوية مع بعض الأنظمة، من دون أن تحظى هذه المعاهدات على شرعية شعبية.
وتتبدى المفارقة أيضا في واقع أن إسرائيل، التي تدّعي الديمقراطية، دأبت على حضّ الأنظمة التي أقامت معها معاهدات، أو علاقات ثنائية، للحد من الحريات، بمراقبة وسائل الإعلام وتقييد تحركات النقابات وقوى المجتمع المدني، لمجرد مناهضتها لإسرائيل؛ لدرجة أن الأمر وصل بها حد تحريض هذه الأنظمة للضغط على مواطنيها لإجبارهم على الانخراط في علاقات التطبيع معها!
يستنتج من ذلك أن إسرائيل، وبغض النظر عن ادعاءاتها الديمقراطية المراوغة، تعي تماما بأن تطبيع وجودها مع الواقع العربي يفترض منها الارتباط بالنظام العربي السائد، على رغم نواقصه الديمقراطية، لأن هذا النظام هو الذي جلب الاعتراف بها، وصدّ النزعات الشعبية المعارضة لها، وقيد قدرة المجتمعات العربية على مواجهتها؛ في مرحلتي الحرب والسلم على السواء.
إن المقدمات السابقة تفسّر، إلى حد ما، توجّس إسرائيل وتشكّكها من محاولات إدارة بوش تبني زنشر الديمقراطيةس في المنطقة العربية، برغم كل الشبهات التي تحوم حول السياسة الخارجية لهذه الإدارة إزاء العالم العربي. وبمناسبة فوز حماس في الانتخابات الفلسطينية، جدّدت إسرائيل سجالها مع الإدارة الأميركية، بشأن جدوى، أو تبعات، السياسة التي تنتهجها هذه الإدارة في الشرق الأوسط، والمتعلقة خصوصا بمسألة «نشر الديمقراطية».
ومن متابعة المواقف الإسرائيلية يمكن ملاحظة نوعا من الاضطراب تجاه التعاطي مع سياسة إدارة بوش بشأن زنشر الديمقراطيةس، في المنطقة العربية، فثمة في اليسار الإسرائيلي من رحب بهذا التطور على أساس أنه سيمكن إسرائيل من الاستقرار في محيط ديمقراطي.
وثمة في اليمين والوسط من انتقد هذا التوجه، باعتبار أن الولايات المتحدة لا تعي الواقع الذي يعمل من خلاله الشرق الأوسط، وأنها في سعيها لفرض الديمقراطية في بيئة غير مواتية، إنما تعمل على خلق المجال للاضطرابات والقلاقل، لأن الشارع العربي بطبيعته معادٍ لسياسات الولايات المتحدة ولإسرائيل.
وبالطبع فإن وجهات النظر الإسرائيلية لا تتوقف عند هذا الحد، بل إنها تذهب بعيدا إلى درجة الادعاء بأن نتائج الانتخابات الحاصلة، في أكثر من مكان في المنطقة العربية، تؤكد صدقية وجهة النظر الإسرائيلية بأن هذه المنطقة غير مؤهلة بعد للديمقراطية، لأسباب تاريخية وثقافية، ويحاول ألوف وصف الموقف الإسرائيلي بقوله: «النهج الإسرائيلي اعتبر المبادرة الديمقراطية التي رفع بوش لواءها بمثابة مراهنة أميركية ساذجة وإنهم لا يملكون أي تصور عن الواقع في المنطقة..
الإسرائيليون حذروا الأمريكيين بأن الديمقراطية العربية من دون رقابة ستؤدي إلى حكم الإخوان المسلمين وأشباههم وليس ليبراليين مؤيدين للغرب. ولكن واشنطن رفضت الإصغاء لهذا النصح وأصرت على إجراء الانتخابات في موعدها وبمشاريع واسعة. الواقع الجديد يستوجب إجراء تغيير جديد في واشنطن وفي القدس أيضاً». (هآرتس 29/1/2006)
اللافت أن إسرائيل باتت تنظر بعين من الحذر والقلق لسياسات الإدارة الأميركية في الشرق الأوسط، بعد أن انتابتها في الوهلة الأولى النشوة، جرّاء التغييرات الإقليمية التي صبّت في مصلحتها بعد احتلال العراق، بحكم تحالفها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، وبعد أن أصبحت الولايات المتحدة موجودة مباشرة في قلب المنطقة العربية.
فبالرغم من كل ما قدمته الولايات المتحدة لإسرائيل، ثمة في إسرائيل من يحمل الولايات المتحدة مسؤولية الاضطراب في المنطقة، بسبب اعتمادها خطة إعادة الهيكلة والتغيير ونشر الديمقراطية، على أساس أن هذه الخطة يمكن أن تكون مغامرة غير مدروسة، من قبل إدارة بوش، ربما تؤدي إلى نتائج عكسية خطيرة، بالنسبة للولايات المتحدة وإسرائيل أيضا.
يقول أمنون دنكنر: «الديمقراطية شيئ ممتاز.. لكن الأمر يصبح أكثر تعقيدا عندما يصل إلى السلطة تنظيم وطني متدين ومتطرف. الإدارة الأميركية التي ضغطت على إسرائيل ودفعتها للقبول بإجراء الانتخابات التشريعية، ستكون مجبرة الآن على إعطاء تفسيرات واتخاذ مواقف إزاء هذه النتائج التي دفعونا إليها والتي دفعوا بأنفسهم وبالمنطقة كلها إليها». (معاريف 27/1/2006)
ويلخّص تسفي برئيل الوضع على النحو التالي: «حدوث تطابق بين الديمقراطية في الدول العربية وبين النهج المؤيد للولايات المتحدة قد لا يتجسد على ارض الواقع. وأبعد منه توقع أن تكون الديمقراطية العربية صيغة لتأييد السلام مع إسرائيل.. المسألة تتعلق أكثر بالتاريخ المشترك للمنطقة وبتواصل الاحتلال على وجه الخصوص». (هآرتس 3/4/2005)
من كل ذلك يمكن الاستنتاج بأن إسرائيل لا تتعامل مع الديمقراطية، في العالم العربي، بوصفها قيمة عليا، بقدر ما تتعامل معها بشكل سياسي: انتقائي ووظيفي، على طريقة الدول الاستعمارية؛ وهذا أمر طبيعي لأن إسرائيل، عدا عن كونها دولة استعمارية،
هي أيضاً دولة استيطانية عنصرية، حيث يضع مجتمع المستوطنين نفسه فوق مجتمع السكان الأصليين، الذين يُخرجون من دائرة المواطنة. وطبيعي، أيضا، أن القيم العنصرية تتناقض مع القيم الديمقراطية، وبالتالي مع المساواة والعدالة.
كاتب فلسطيني