ماذا يريد الطالب من المدرس؟ سؤال طرح على أحد المنتديات الطلابية الإماراتية وتعددت إجابات الطلبة عنه. منهم من ركز على ضرورة حنو المدرس على الطالب وضرورة أن يكون بمثابة الأب أو الأم الحانية، أي أن لا تكون مهمة المدرس محصورة في توفير المعلومة فقط ولكن في إعطاء المعلومة للطالب بمحبة وحرص على إفهامه إياها.

مجموعة أخرى من الطلبة ركزت على ضرورة احترام المدرس لطلابه وتأسيس علاقة مهنية إيجابية بينه وبينهم، وعدم التعامل معهم بفوقية وأن لا ينظر إلى نفسه وكأنه في أعلى الهرم وطلبته في أسفله. البعض الآخر ركز على ضرورة أن يكون المدرس مدافعاً عن حقوق الطلبة ومناصراً لهم في قضاياهم.

تعددت الآراء وتباينت بين الطلاب حول هذه المسألة، إلا أنه بشكل أو بآخر اتفق الجميع على ضرورة عدم حصر مهمة المدرس في توصيل المعرفة فقط، وأنه يجب عليه لكي يكون ناجحاً في تنفيذ مهمته الأولية وهي التدريس أن يتحلى أيضا بصفات أخرى تحبب الطالب في المعرفة التي يقدمها.

كلنا كنا طلبة في يوم ما ونعرف خير المعرفة أن الطالب يحب المادة الدراسية وما تحتوي عليه من معارف بعد أن يحب ويستلطف ويحترم المدرس المقدم للمادة، وأنه متى حدث النفور بين الطالب ومقدم المادة العلمية، فلا أمل من شد اهتمام الطالب أو استيعابه لما يقدم له، بغض النظر عن المحاولات التي قد يبذلها المدرس في توصيل مادته.

كذلك، ومن خبرتنا كأساتذة جامعيين ومدرسين تأكد لنا أن امتلاك المعرفة ليس هو الوسيلة الرئيسة لتحقيق هدف العملية التعليمية الأساس والمتمثل في فهم واستيعاب الطالب للمادة العلمية، ولكن هناك أساسيات أخرى يجب توفرها في مقدم المادة العلمية، بالإضافة لمعرفته، حتى يتحقق هذا الهدف.

أهم هذه الأساسيات مهارة وفن توصيل المعلومة؛ مهارة تحويل المادة العلمية المجردة إلى مثال واقعي قريب من الواقع المعاش للطالب حتى يسهل عليه فهمه واستيعابه.أيضاً هناك ضرورة توفر القدرة على فتح آفاق جديدة للطالب حتى يتمكن من تكوين إدراك عميق للمحيط الخارجي الذي يعيشه، أي توفر مهارة القدرة على تعميق نظرة الطالب للحياة بشكل يحقق له فهماً أعمق للعالم من حوله.

إضافة إلى ذلك تلعب أخلاقيات المدرس وطريقة تعامله وذكاؤه الاجتماعي المتمثل في الإحساس بحاجة طلابه، دورا كبيرا ومهما في استيعاب الطالب للمادة، حيث إنه إذا كان هناك تناقض بين ما يدرسه المدرس وما تبدو منه من سلوكيات أو ما يبدو عليه من حال، فلابد من أن مثل هذا التناقض سوف يشكك الطالب في صحة معلومات أستاذه، وبالتالي سيقلل من احترامه لشخص مدرسه وللمعلومة التي يقدمها.

إن احترام الطالب وتقديره للمعلومة وللمعرفة التي يتلقاها قائم بدرجة كبيرة على احترامه لشخص مقدمها. وجدير بالذكر هنا أن طريقة تقديم المدرس لنفسه، وبخاصة المدرس الجامعي، حتى في ذلك الشأن الصغير والجزئي والمتعلق بملاءمة وترتيب هندامه واهتمامه بمظهره الخارجي، تعتبر كلها من الأمور المهمة لقبول الطالب النفسي للمدرس، وبالتالي قبول ما يقدمه من معرفة.

وهذا حتما لا يعني المبالغة في الاهتمام بالمظهر الخارجي أو النظر إليه كأساس، ولكننا نعتقد أن المسائل ليس بينها فاصل ولا يمكن أن تجزأ، فطريقة تقديمنا لأنفسنا، سواء كان ذلك من خلال ما نلبس أو من خلال ما نسلك من سلوكيات، لا ينفصل عن طريقة تفكيرنا.

فمظهرنا الخارجي وسلوكياتنا إنما تعكس مدى عمق أو سطحية تفكيرنا ونظرتنا للحياة والعالم. وحضورنا كأساتذة هو كلٌ من كل الأساسيات التي ذكرتها أعلاه وكلما غابت إحدى هذه الأساسيات أو بهتت، كلما بهت حضورنا وبهتت معرفتنا، فكيف لنا أن نطالب مدرساً بتعميق نظرة طلابه للعالم في الوقت الذي يفتقر هو شخصيا لعمق في الرؤية!

يفترض بعض الأساتذة قلة إدراك التلاميذ وعدم قدرتهم على التمييز وبالتالي إمكانية انطلاء الكثير من المغالطات عليهم، ولكنني ومن التجربة أعجب من ذكاء طلبتي سواء كان ذكاؤهم الاجتماعي أم المعرفي، وكذلك قدرتهم على التمييز بين أساتذتهم.

وبحكم العلاقة المهنية الجميلة التي تربطني بهم وبحكم التواصل الإنساني الذي يجمعنا تدور بيننا الكثير من الأحاديث التي تتراوح بين تحصيلهم الدراسي إلى مشكلاتهم الشخصية، وفيها تنعكس لي في أغلب الأحيان كيفية تصنيفهم وتقييمهم لأساتذتهم والذي في معظمه تقييم لا يخلو من الصحة والموضوعية.

نحن اليوم تصادفنا في حياتنا نماذج متعددة من المدرسين الذين لا تنطبق عليهم كل هذه المعايير التي ذكرناها، والذين يفتقدون لكثير من الأسس المهمة التي تجعل المدرس متميزا وناجحا وتجعل العملية التعليمية ناجحة في تحقيق أهدافها الطويلة والقصيرة المدى.

فكيف لنا تجاوز هذه الإشكالية خاصة وأننا كمجتمع نواجه الكثير من التحديات التعليمية والإنسانية على حد سواء، وبحاجة لكل الإمكانيات التي تمكننا من مواجهة هذه التحديات ونحن نقف على أرض صلبة.

لعل أهم خطوة نقوم بها في الوقت الحاضر لتجاوز هذه الإشكالية هي التركيز على عملية الاختيار وعلى اختيار من يقوم بالاختيار، وكذلك وضع الأسس والمعايير التي تقوم عليها هذه العملية.

وعلى سبيل المثال، لقد كانت سمعة بعض مؤسساتنا العلمية تطاول السماء وكانت تسمى في أرجاء الوطن العربي المؤسسات «الخمس نجوم» التي لا يدخلها إلا المتميزون من حملة راية العلم، اليوم أصبحنا نرى في مؤسساتنا هذه من يتعارض وجوده مع أهدافنا المجتمعية وأهداف نظمنا التعليمية.

الخطوة الأخرى التي نعتقد أنه من المهم الأخذ بها وتنفيذها هي عملية التقييم المستمر لقطاع المدرسين. فنحن نقيم الطالب سلوكيا من خلال مراقبة سلوكياته وتقييمها باستمرار، ونقيم تحصيله العلمي من خلال ما يمر به من امتحانات تقيم أداءه.

فمن يقيم المدرس؟ وكيف يتم تقييمه؟ أي من يقيم فيما إذا ما كان أداء المدرس وسلوكه متناسقاً مع أهدافنا كمجتمع وكمؤسسات تعليمية. جدير بالذكر هنا أن لبعض المؤسسات أساليبها التقويمية، ولكن يجب علينا التحقق من موضوعية بنود هذه الأساليب، وموضوعية تطبيقها حتى يتسنى لنا دائما الوصول إلى أهدافنا التعليمية والمجتمعية.

جامعة الإمارات