منذ أن خرجت النداءات في الوطن العربي وهي تنادي بواجب الوطن تجاه مواطنيه، بينما تنصرف هذه النداءات عن واجبات هذا المواطن تجاه وطنه، وما تمليه عليه وطنيته من مسؤوليات.
وان كانت الأدوار في المجتمعات الغربية لا تعزى دائما إلى الحكومة، فإننا أبناء الوطن العربي فطرنا على التعلق بشماعة الحكومة، دون ان نلتفت إلى أدوارنا، لذا بقيت أوطان العرب لا تشهد تكريسا حقيقيا لتبعات المواطنة، وما يترتب عليها من مسؤوليات والتزامات.
لقد بات المواطن العربي يرجو من حكومته التعليم، والعلاج، والزواج، وأن تبحث له عن وظيفة تناسبه، وأن تمنحه قطعة أرض، وأن تبني له مسكنا شعبيا، وأن تؤثثه، وأن تزيد راتبه، وأن تدعم له أسعار البترول والمواد الاستهلاكية، وأن تحقق له قائمة طويلة عريضة لا تنتهي من الطلبات والاملاءات، كلما حاز على أحدها طلب ما يليه.
ومن المفارقات انه رغم السعي الدؤوب من حكومتنا الرشيدة لإسعاد المواطن، وتوفير الحياة الكريمة له وتحقيق رفاهيته، فإن البعض يتقاعس عن تأدية واجباته ومسؤولياته تجاه هذا الوطن الذي شملنا برعايته وحرص على رفعة ورفاهية المواطن وضمان الحياة الكريمة له وتلبية كل احتياجاته ورغباته سواء تقدم بطلبها أو لم يطلبها.
ليس بالضرورة أن تشغل الحكومة دور توظيف المواطن، وتزويجه، فمسؤولياتها الكبيرة تتعدى هذا إلى إقرار القوانين وتنظيم مؤسسات العمل، مع ذلك وبعكس ما هو متبع في كثير من دول العالم، حملت دولتنا على كاهلها ضمن الحياة الكريمة لمواطنيها، كما عمدت إلى توطين الوظائف الحكومية، وأدرجتها ضمن سياق استراتيجياتها، ووضعتها على رأس أولوياتها.
ولم يكن القطاع الخاص ليقف يوماً في وجه أصحاب العزم والإصرار، بل ان سياسات القطاع الخاص في بعض البلدان بما فيها العربية تكاد تكون مشابهة لظروفه في بلدنا، إلا أننا صورناه في الإمارات بأنه بيئة طاردة للمواطنين، وألححنا على الدولة ان تتدخل لفتح الشواغر فيه، فحملت على عاتقها مهمة البحث عن وظائف لمواطنيها في القطاع الخاص، ومساعدة الشباب على إنشاء شركاتهم، وتكوين نواة مشاريعهم الصغيرة.
مع ذلك ورغم كامل المزايا والحقوق التي كفلتها الدولة للمواطن، ظل البعض يتمادى في تقصيره تجاه وطنه، ومضى يترقب المصالح يؤتي بها إليه وتقدم له على طبق من ذهب. بل إن من المواطنين من يرفض عمل القطاع الخاص الذي يأتيه على قدر مقاسه،
ويفضل عليه الوظيفة الحكومية التي باتت وسطا خصبا للبطالة المقنعة، فنظرة سريعة إلى عدد الموظفين الذين يتتابعون على إنهاء المعاملة الواحدة تظهر لنا أننا ندير أنفسنا، ولكن لأنها وظيفة مريحة وذات دخل، نفضل وظيفة إصدار شهادات الميلاد، على العمل في تصنيع المركبات.
كذلك فإن تقصير بعض المواطنين تجاه وطنهم يبدو ماثلا في السرعات والتجاوزات المرورية في بلد يدعم ويشجع الإنجاب وزيادة السكان، فغالبية الوفيات في الحوادث هم من شباب الوطن الذي بذلت له الدولة، وتبذل جهوداً كبيرة لتأهيله، وتوعيته، دون استجابة، رغم أن المفترض ان يكونوا القدوة والمثال.
darwish@albayan.ae