هناك على الأقل نقطة تماثل واحدة بين الحاكم المنتخب ديمقراطياً في الدول المتقدمة ورصيفه الديكتاتور في دول العالم الثالث المتخلفة، وهي اعتماد كل منهما على الجهاز الاستخباراتي كأداة لعملية تسيير السلطة من يوم إلى يوم.

لكن هذه الحقيقة تنطوي على مشكلة في كلتا الحالتين. فالرئيس المنتخب أو الرئيس الاستبدادي يجد نفسه رهينة لدى قيادة الجهاز الاستخباراتي لأنه يدرك أن بوسعهم في الجهاز ممارسة أسلوب «اغتيال» الشخصية تجاه أي أحد بمن في ذلك الرئيس نفسه.

مناسبة الحديث ما ورد في الأنباء من أن عناصر من الاستخبارات الألمانية زودوا قادة وزارة الدفاع الأميركية بنسخة من خطة الرئيس العراقي السابق صدام حسين للدفاع عن بغداد قبل شهر واحد من عملية غزو العراق عام 2003.

ولن ندرك عنصر الإثارة الأعظم في هذه القصة إلا إذا استعدنا إلى الأذهان أن الخط السياسي الرسمي لحكومة المستشار غيرهارد شرودر آنذاك كان مبنياً على معارضة الهجوم الأميركي.

القصة نشرتها صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية. وسواء أثبت التحقيق الذي تعتزم الحكومة الألمانية الحالية إجراءه، صحة الرواية أو بطلانها، فإن الحقيقة التي لا تقبل النقاش هي أن الأجهزة الاستخباراتية في كل أنحاء العالم تتحرك باستقلالية شبه كاملة عن الحكومات، والشواهد لا تحصى سواء في الحاضر أو في الماضي.

لقد ثبت مؤخراً أن أجهزة الاستخبارات في بعض دول الاتحاد الأوروبي تآمرت من وراء ظهر حكوماتها مع وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في نقل أشخاص «مشتبه فيهم» من عواصم أوروبية إلى الولايات المتحدة دون إجراءات قانونية وذلك في طائرات كانت تستأجرها الوكالة الأميركية من شركات خاصة.

وفي هذا السياق ابتدر المدعي العام في إيطاليا تحقيقاً للتوصل إلى الحقائق بشأن إمام مسجد في مدينة نابولي الإيطالية جرى اختطافه من أحد شوارع المدينة ليلاً بواسطة فريق من وكالة الاستخبارات الأميركية ونقل في طائرة خاصة إلى عاصمة عربية حيث مورست عليه عمليات تعذيب على أيدي الأجهزة الأمنية هناك. ويقول المدعي العام الإيطالي إن عملية الاختطاف لم تكن لتنفذ بنجاح لولا تعاون سري من الجهاز الأمني الإيطالي.

ومما يروى من حكايات الماضي أن مكتب التحقيقات الفيدرالي في الولايات المتحدة كان متورطاً في حادثة اغتيال الرئيس الأميركي جون كينيدي. ورغم أن الحادثة وقعت قبل 43 عاماً إلا أن البلاغ لا يزال مفتوحاً ضد «مجهول». ومن بين المشتبه فيهم وليام كيس مدير مكتب التحقيقات آنذاك حيث يقال إنه عمد إلى إتلاف ما توافر من بينة فور عملية الاغتيال.

ويروى أيضاً أن الرئيس جمال عبدالناصر لم يكن على علم مسبق بالعملية الانقلابية التي جرت في الخرطوم يوم 25 مايو 1969 بينما كانت الاستخبارات المصرية هي التي أشرفت على تدبير خطة الانقلاب وتنفيذها.

لقد خشي قادة الجهاز كما تقول الرواية من أن يعترض عبدالناصر على عملية كانت موجهة ضد حكومة ائتلافية حزبية راسخة القواعد وتتعامل مع مصر الناصرية كحليف. وأعتقد أن بوسعنا أن نقول بصورة إجمالية إن العالم لا يتحكم فيه السياسيون والقادة العسكريون بقدر ما يتحكم فيه المسيطرون على المعلومة السرية.

ذات مرة قال هنري كيسنغر: «المعرفة قوة»!