مرة أخرى ننتهي إلى المربع الأول.. ما هو تعريف «الإرهاب»؟ وفي كل الأحوال هل يصح أن يدخل ضمن تصنيف التعريف ـ أياً كان التعريف ـ النضال الوطني المسلح ضد قوة احتلالية أجنبية.

قيادات الجمعيات الخيرية الخليجية لم تطرح هذا السؤال في اجتماعها العام الذي عقد في الدوحة. لكن على نحو أو آخر كان السؤال حاضراً ضمنياً.

القضية العظمى التي طرحت كانت تتصل بتقديم مساعدات للشعب الفلسطيني في ظل التغيير الذي طرأ على المشهد السياسي الفلسطيني بعد أن انتقلت حركة «حماس» إلى قلب هذا المشهد كقوة سلطوية جديدة بعد أن حظيت بثقة فئات الشعب في منافسة انتخابية مفتوحة وحرة.

في الماضي القريب نعلم أن الولايات المتحدة استثمرت هجمات سبتمبر 2001 على نيويورك وواشنطن في تجفيف منابع المساعدات المالية إلى الفصائل الفلسطينية ـ وخاصة فصيل «حماس» ـ وسد القنوات التي كانت تمرر عبرها.

ونعلم كذلك ان كافة الإجراءات الأميركية الكاسحة التي نفذت في هذا السياق اتخذت باسم «مكافحة الإرهاب» بعد أن وضعت أسماء فصائل المقاومة الوطنية الفلسطينية على القائمة الأميركية للمنظمات «الإرهابية».

والمشكلة الكبرى التي جعلت الجمعيات الخيرية في العالم الإسلامي أجمع تواجه وضعاً محرجاً هي أن أكثر الحكومات العربية والإسلامية تجاوبت عملياً مع الإجراءات الأميركية دون أن تتوقف لتطرح أولاً على واشنطن سؤالاً: ما هو تعريف الإرهاب؟

منذ أحداث سبتمبر وحتى هذه اللحظة لا يوجد تعريف معتمد عالمياً للإرهاب.

وقد ثبت من خلال الشواهد التطبيقية اللاحقة أن الولايات المتحدة تفضل حالة الغموض هذه لأنها تجعل أجندة واشنطن الخارجية مفتوحة إلى الأبد لكي تتحرك الإدارة الأميركية بحرية انتقائية لإلصاق شبهة «الإرهاب» على من ترى من حكومات ومنظمات انطلاقاً من اعتبارات المصالح الدولية للولايات المتحدة واعتبارات أمن الدولة الإسرائيلية.

لهذا صنفت حماس وأخواتها ضمن قائمة المنظمات الإرهابية.وهكذا تجد الجمعيات الخيرية العربية والإسلامية نفسها في حرج لأن معظم الحكومات لا تريد أن تقول لواشنطن بحزم أن نضال فصائل المقاومة الوطنية الفلسطينية ضد القوة الأجنبية الإسرائيلية التي تحتل أراضي الشعب الفلسطيني ليس إرهاباً بأي معيار من معايير القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.

في أعقاب اجتماع الدوحة قال مسؤول في إحدى الجمعيات الخيرية العربية أنه إذا أذنت الحكومات للجمعيات بجمع المال لحماس «فإن علينا أن نفعل ذلك».. وإذا لم تأذن لنا «أحجمنا عن ذلك».

هذه مكاشفة صريحة وأمينة جديرة بالثناء، فليس من الإنصاف أن نطالب الجمعيات الخيرية بأن تتحدى حكوماتها، وإذن فإن المسؤولية تقع على عاتق الحكومات، فهي مطالبة برفض الضغوط الأميركية التي تنطلق من اعتبارات حماية الاحتلال في فلسطين.

لقد حاول وزير عربي أن يبتكر صيغة وسطية فقال إن حكومته لا ترغب في ربط المساعدة للشعب الفلسطيني «باعتبارات أخرى» غير حاجاتهم الإنسانية الملحة. لكن حتى هذه الصيغة المخففة لن تلقى قبولاً لدى واشنطن فستقول إنه ينبغي حجب أي مساعدة لأسر الشهداء الفلسطينيين باعتبار أن الشهداء «إرهابيون»!

إن المطلوب من الحكومات العربية والإسلامية أن تقول لواشنطن بحزم ووضوح: نحن سنساعد الفصائل الفلسطينية وأسر الشهداء، لأننا نرفض رؤيتكم الذاتية الانتقائية للإرهاب.