هبت عاصفة عنصرية مفاجئة ضد صفقة إدارة موانئ دبي العالمية لستة موانئ أميركية، ولم تخمد حتى الساعة رغم خفوتها، وانكشاف خوائها، وتهاوي ذرائعها البليدة، وتناقضها الفج مع رياح العولمة وأبواب التجارة الحرة المفتوحة، وإظهارها الولايات المتحدة وكأنها دولة منغلقة تتبنى قواعد النظم الشمولية، وتحارب الاستثمار الأجنبي.

عاصفة العنصرية التي هبت منذرة بتقويض صفقة موانئ دبي العالمية، لم تخف من الحظة الأولى ان وراءها أصابع خفية تحركها اليد الطولى للوبي الصهيوني، بل كانت إسرائيل حاضرة في أذهان ودوافع معارضي الصفقة أكثر من حضور الولايات المتحدة.

وهو ما كشفته تصريحات السيناتور الجمهوري ليندسى جراهام، واستناده في معرض تبريره رفض الصفقة إلى ان «الإمارات العربية المتحدة دولة معادية لإسرائيل»، وبالتالي كيف يسمح لإحدى شركاتها بإدارة موانئ الساحل الشرقي، والسيطرة على المنافذ البحرية الأميركية؟

ليس كلام هذا السيناتور وحده الذي فضح تغلغل اللوبي الإسرائيلي وإصراره على تعكير مياه الصفقة، بل مبادرة صحيفة الـ «واشنطن تايمز» لافتتاح الحملة العنصرية، التي لم تتخلف عنها صحيفة واحدة، وان اختلفت المعالجات بين من يحرص على المهنية والتمسك بقدر من موضوعية التناول والتحليل.

ومن ينفخ في نيران الكراهية والتعصب والحقد الأعمى، ويستخدم منهج « التنميط» والتعامل مع العرب وفق قوالب جاهزة تصنفهم ضمن منظومة «الإرهاب الدولي».

وتجعل من كل عربي أو مسلم مرادفاً لأي إرهابي من جماعة أسامة بن لادن أو أبو مصعب الزرقاوي، وبالتالي يسهل على أي متربص اصطياده وإبعاده عن أي عمل دولي سواء في ساحة الاقتصاد أو الإعلام أو السياسة.

وهذه لعبة إسرائيلية بامتياز، ووصفة مجربة فاقت نتائجها كل أساليب الابتزاز التي مورست ضد الغرب باسم حماية أو تعويض اليهود عن جرائم النازية.

وهى جرائم يرفضها كل عربي ويجرمها ديننا الذي يحرم إيذاء أي شخص بصرف النظر عن دينه أو معتقده، حتى لو كان منكراً للألوهية، بل يجعل من قتل شخص واحد بمثابة جريمة إبادة للبشرية.

الحاصل ان العاصفة العنصرية التي هبت ضد صفقة موانئ دبي العالمية، اختلطت فيها كل الدوافع، ما بين الرغبة في توجيه طعنات لإدارة الرئيس الأميركي من خصومه الديمقراطيين، وعلى رأسهم السيناتور هيلاري كلينتون الطامحة في الرئاسة والمتفانية في استرضاء اللوبي الصهيوني.

ومن جهة أخرى الجبهة الواسعة التي تنشر الذعر و«فوبيا الإرهاب» واستهداف العرب والمسلمين، والتي جعلت شعار العاصفة «الإرهابيون بيننا» وروجت للخوف من ان الإدارة القادمة ستجعل من موانئ الساحل الشرقي معابر لمرور الإرهابيين.

بل بلغ حد الاستخفاف ان عنونت إحدى الصحف بتساؤل سخيف « الإمارات عدو أم صديق؟» وزعم أحد الكتاب في معرض رفضه للصفقة أن دبي تستضيف قناة « العربية» الناطقة بلسان طالبان وابن لادن.

وهو أمر مضحك لكل من يتابع القناة ويعرف أنها لا تفوت فرصة لاسترضاء الأميركيين في الحرب على الإرهاب. الأمر الذي دفع أكاديمي اقتصادي إلى الرد بمقال في الـ «واشنطن تايمز» يفند المخاوف والفوبيا التي تساق في غير مكانها.

وخلص إلى ان العاصفة المريبة ضد موانئ دبي العالمية تظهر المعايير المزدوجة تجاه قضية إزالة الحواجز والتجارة الحرة من جهة وإزاء الفشل في التعاطي مع قضايا داخلية.

وفند المحلل المخاوف الأمنية حيث ان وزارة الأمن الداخلي الأميركية وأجهزة أمن الموانئ والسواحل هي المعنية بالاشراف على أمن الموانئ، ولا علاقة لموانئ دبى بها، وان الحديث عن تسلل إرهابيين مجرد خيال مريض يهدف الى تعطيل الصفقة، التي تدير بموجبها دبي أكبر موانئ في العالم.

باختصار، تلخص عاصفة الهجوم على صفقة موانئ دبي العالمية المشهد الدولي والعربي الراهن، حيث يوجد لاعب إعلامي وسياسي نشط وممنهج، ولوبي له امتدادات اخطبوطية في كل زاوية وكل دهليز.

وبإمكانه ان يثير المتاعب لأي طفرة عربية مثلما نجحت «دبي العالمية» في مجال الاقتصاد، ولم تجد ذراعاً عربية تصد عنها هذه الترهات، طالما إننا كعرب لم نبن أو نجتهد لتشكيل لوبي مضاد، أو نضع أجندة عملية لتحرك إعلامي ينقل صورتنا الصحيحة إلى الآخر، وان لم نفق جميعاً كعرب الآن فلن يمنحنا التاريخ فرصة إضافية.