مع انقشاع سحب العملية الديمقراطية الانتخابية التي جرت في فلسطين مؤخراً، بدأ النشاط يدب داخل أوساط القرار السياسي الأمريكي، في محاولة لاستيعاب وتطويق النتائج التي قد تترتب عليها لاحقاً العملية الانتخابية الفلسطينية.

ولم تجد واشنطن حرجاً من طرح الموضوع على مجلس الأمن الدولي لجهة إحداث الانقلاب السياسي على نتائج الانتخابات وتطويعها بالاتجاه الذي تراه مناسباً.

فالقرار الأخير لمجلس الأمن الدولي، والمتعلق بالموضوع الفلسطيني ودعوته حركة حماس لتنفيذ جملة من المطالب «كي تصبح شريكاً فعلياً» (في نادي التسوية الأميركية) لم يأت دون تدخل مباشر من قبل الولايات المتحدة الأميركية.

ومن المفارقات العجيبة التي تقع تحت مسميات «الغرائب» الملفتة في عالم الدبلوماسية أن نشهد تدخلاً مباشراً من قبل الهيئة الدولية الأولى بالشأن الداخلي لشعب من شعوب المعمورة، بعد أن عبر عن رأيه في تحديد خياراته السياسية عبر صندوق الاقتراع.

فواشنطن تسل الآن سيف التهديد للحالة الفلسطينية وإفرازاتها التي أعطتها انتخابات المجلس التشريعي وللنظام السياسي الفلسطيني في تركيبته الجديدة المنبثقة عن انتخابات 25/1/2006.

وتعمل على استيراد مصطلح جديد أسمه «حكومة مارقة» والمقصود أية حكومة تشكلها حركة حماس بعيداً عن الاستجابة لشروط الولايات المتحدة.

إذن، خلافاً لقواعد العملية الديمقراطية، التي أوصلت حركة حماس إلى موقع مقرر في المجلس التشريعي الفلسطيني. وخلافاً لإرادة الناخبين من أبناء الشعب الفلسطيني في المناطق المحتلة عام 1967،.

وخياراتهم السياسية، تسعى الإدارة الأميركية بشكل أو بأخر لإحداث انقلاب قسري على النتائج التي تمخضت عن انتخابات25/1/2006 ، وسل سيف المقاطعة بوجه الحكومة الفلسطينية القادمة، التي يفترض أن تعمل حركة حماس على تشكيلها.

بما في ذلك تأليب العالم، ومحاولة خلق ائتلاف دولي تتصدره الولايات المتحدة ذاتها ودول الاتحاد الأوروبي، والتهديد بوقف المعونات الاقتصادية المادية والمالية للسلطة الوطنية الفلسطينية وللشعب الفلسطيني ومؤسساته الوطنية في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة.

وتشجيع حكومة شارون / أولمرت لإبقاء الحجز على الأموال المستحقة من جباية الضرائب التي تعود للسلطة الوطنية الفلسطينية بالرغم من الإفراج المؤقت عن كميات قليلة منها مؤخراً، بحيث لم تتعد سقف الـ 45 مليون دولار من أصل أرقام مالية تفوق الرقم المذكور بعدة أضعاف.

وبالرغم من الخطاب الايجابي البراغماتي المسؤول، والتصريحات المتوازنة التي أطلقتها حركة حماس على لسان العديد من رموزها في فلسطين والشتات، والداعية إلى هدنة طويلة المدى مع الاحتلال الإسرائيلي، والى بناء حوار ايجابي مع الإدارة الأمريكية وفتح القنوات معها بشكل علني بدلاً من إبقائها في فلك كواليس الدبلوماسية السرية.

إلا أن الأخيرة بادلت الموقف الحمساوي الفلسطيني بمزيد من لغة الاستكبار والطغيان، وبالخطاب السياسي العدواني الفج، المليء بمفردات الانحياز لدولة الاحتلال الإسرائيلي.

إن الولايات المتحدة الأميركية تحاول تأليب العالم والبعض من دول الاتحاد الأوروبي وروسيا على وجه الخصوص ضد نتائج الانتخابات الديمقراطية الفلسطينية وصعود حركة حماس، ولكن يخطئ من يعتقد بأن دول الاتحاد الأوروبي، تابع مجاني تحت النفوذ الأميركي الكامل.

فأوروبا لها مصالحها في المنطقة أيضاً، وتنطلق في مواقفها من حساباتها أيضاً وليس لحسابات أمريكية بحتة، وأولى خطوات الافتراق الروسية عن الموقف الأميركي نلحظها من خلال تصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حين رفض توصيف حركة حماس باعتبارها منظمة إرهابية.

وانطلاقاً من هذا المعطى علينا أن نتوقع حدوث مزيد من الافتراقات المتتالية بين الموقفين الأمريكي والأوروبي في ظل الخطوات العقلانية لحركة حماس وحرصها على تصدر الموقف الرسمي الفلسطيني استناداً إلى حكومة مشاركة وطنية تعمل على انجازها بالتعاون مع كل القوى الفلسطينية.

إن النتائج التي أفرزتها الانتخابات الفلسطينية للمجلس التشريعي، سواء رضي أم لم يرض بها البعض في مراكز القرار الدولية المؤثرة، فإنها تدفع الأوروبيين للحذر من تحمُّل مقاطعة حماس أو ترك الأمور بيد أميركا وإسرائيل.

فالرأي العام الفلسطيني الذي كان مع السلطة الوطنية الفلسطينية رغم مشكلاتها الكثيرة، هو من انتخب حركة حماس. ففي الوقت الذي بدأ فيه الإسرائيليون وبخاصة من صفوف اليمين الصهيوني، يزايدون في مهاجمة حركة حماس أملين الحصول على أصوات أكثر في الانتخابات المقبلة للكنيست السابعة عشرة المقرر إجراؤها في مارس 2006.

سارع الأميركيون للتضامن مع إسرائيل، ومطالبة حركة حماس بالاعتراف بها، وإلقاء السلاح بحسب اتفاقيات أوسلو، بعد أن صارت في موقع المسؤولية الأولى عن السلطة الوطنية الفلسطينية.

وبالطبع فان القول المشار إليه لا يعني البتة بأن دول الاتحاد ومجمل الدول الأوروبية تنهج جميعها سلوكاً سياسياً عادلاً على درجة مقبولة بشأن قضايا العرب في صراعهم مع الاحتلال التوسعي الصهيوني.

لكن علينا أن نلحظ بأن تطور الدور الأوروبي يرتبط بالضرورة بالتطور الموازي على الجانب الفلسطيني ككل من حيث تقديم حركة حماس خطاباً سياسياً متوازناً يأخذ بعين الاعتبار الوقائع القائمة على الأرض.

وينزع المبررات التي تسوقها الإدارة الأميركية بشأن حركة حماس ذاتها، التي تصنفها الولايات المتحدة باعتبارها حركة إرهابية أصولية، ونسخة فلسطينية أسمها « حماستان» من «طالبان أفغانستان» كما هو حال مجموعة أبومصعب الزرقاوي. وعليه فان تصريحات عضو المكتب السياسي لحركة حماس موسى أبومرزوق في القاهرة مؤخراً.

والتي أكد فيها «التزام حماس بالاستحقاقات الدولية المترتبة على السلطة الفلسطينية والاحتفاظ بحق المقاومة المشروعة» تشير إلى تمايز التيار الإسلامي الفلسطيني المقاوم عن التيارات الإسلامية المتطرفة، كما يشير إلى اللغة المسؤولة التي بدأت تعطي إطلالاتها على لسان القيادات الأولى في حركة حماس.

وعلى الدائرة الأوسع، يمكن القول مع بروز أشكال من التباين بين واشنطن ودول أوربا الغربية بشأن نتائج الانتخابات التشريعية الفلسطينية والعلاقة مع حركة حماس، بأن التقاء المواقف وتقاطعها بين دول أوروبا الغربية والولايات المتحدة تجاه قضايا الموضوع الفلسطيني والشرق الأوسط وحتى العالم بأسره، يصاحبها واقعياً على مدايات زمنية تعارض في المصالح.

لذلك من غير المؤكد أن يتطور الدور الأوروبي بشكل عملي دون دور عربي يعيد ربط المصالح العربية ـ الأوروبية من جوانبها المختلفة، ويضعها على سلم الأولويات، وإلا فإن الدور الأوروبي سيبقى أسير الحركة السياسية غير المنتجة.

إن الولايات المتحدة بقيادة جورج بوش الابن والمجموعة الصقرية التي تحيط به وعلى رأسها نائب الرئيس ديك تشيني، ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد صاحب تصريحات «أوروبا العجوز» تكشف الغطاء عن سياستها، فهي تريد أيضاً كما قال المفكر الأميركي روبيرت كاغان «أن تطبخ الولايات المتحدة الطبخة، وأن تقوم أوروبا بغسل الأطباق».

حيث انطلقت السياسة الأميركية في العقد الأخير من القرن الماضي لتهميش دور أوروبا في المنطقة وإبقائها «قزماً سياسيا » وبنفس الوقت «ممولاً عملاقاً» فدول الاتحاد الأوروبي تعتبر الممول المالي الرئيسي للسلطة الوطنية الفلسطينية.

بينما لم تقدم الولايات المتحدة الأميركية سوى 3 ,1 مليار دولار من الدعم المالي للسلطة الفلسطينية طوال عقد من الزمن، في الوقت الذي تضخ فيه دول الاتحاد الأوروبي ما يقارب 900 مليون دولار بمعدل وسطي سنوي لصندوق السلطة الوطنية الفلسطينية منذ العام 1995.

ومن هنا نستطيع القول إن الولايات المتحدة تسعى لدفع دول الاتحاد الأوروبي لاستخدام «هراوة» التمويل المالي للضغط على أية حكومة فلسطينية ستتشكل على يد وبقيادة حركة حماس، بدلاً من توفير الدعم المالي المفترض للكيان الفلسطيني بغض النظر عمن يقود حكومته.

في حماس لا يضيعون الوقت: غداً سيسافر وفد من الحركة إلى موسكو استجابة إلى دعوة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وفي فرنسا أعربوا عن تأييدهم للخطوة، وفي إسرائيل يخشون من أن تركيا واسبانيا أيضا تعتزمان دعوة ممثلي حماس.

وفي وفد حماس إلى موسكو ستشارك شخصيات من غزة، بينها إسماعيل هنية، د. محمود الزهار وسعيد صيام، وكذا من قيادة الحركة في الخارج، بمن فيهم رئيس المكتب السياسي للحركة خالد مشعل ونائبه موسى أبو مرزوق.

ولن يشارك في الوفد أعضاء من حماس من الضفة ذلك أن الخروج من الضفة إلى الخارج يتم عبر جسر اللنبي الذي يخضع لسيطرة إسرائيل فيما أن الخروج من غزة يتم من معبر رفح الذي هو قيد السيطرة الفلسطينية.

وبينما عقبوا في إسرائيل وفي الولايات المتحدة بغضب على الخطوة الروسية التي تشكل خروجا عن الخط الدولي وموقف الرباعية التي تضم روسيا في عضويتها، أعربوا في فرنسا أمس عن تأييدهم للخطوة.

وفي بيان وزارة الخارجية الفرنسية جاء أن فرنسا تعتقد أن هذه مبادرة يمكنها أن تساهم في التقدم، شريطة أن تفي حماس بشروط الرباعية، تعترف بإسرائيل، تهجر العنف، تنزع سلاحها وتعترف بكل الاتفاقات والالتزامات السابقة للسلطة.

وقال وزير المالية الفرنسي تيريه برتون في هذا السياق ان «كل خطوة تسمح بالعودة إلى الوضع السليم، تؤدي إلى الاعتراف بدولة إسرائيل والسعي إلى مسيرة سلمية تسير في الاتجاه الصحيح».

دعوة بوتين والتفهم في باريس بثا ريحا جديدة في أشرعة حماس، وحسب الحركة ستفاجأ إسرائيل قريبا بدول أخرى مستعدة للحديث مع رجال حماس والاعتراف بحكومة برئاستها. أحد الأهداف المهمة التي ستوجه حماس جهودها نحوه هو الحصول على الاعتراف من الصين.

وفي إسرائيل يتعاملون مع تصريحات حماس بجدية كبيرة ويخشون من انجراف دولي. وزيرة الخارجية تسيبي لفني حذرت من «منحدر سلس» يؤدي إلى التصالح مع حماس وذلك بعد أن أعلنت في نهاية الأسبوع تركيا أيضا عن تأييدها للموقف الروسي وعزمها دعوة قادة حماس إلى محادثات في أنقرة. وفي إسرائيل يخشون من أن تكون اسبانيا هي التالية في الدور.

في نهاية الأسبوع نقلت إسرائيل رسائل احتجاج إلى موسكو، باريس وانقرة. وفي الرسائل التي نقلت إلى روسيا ادعت إسرائيل بأن دعوة قادة حماس قبل قبولهم شروط الرباعية تشكل مساساً بأمنها الوطني.

وكان بين المحتجين أيضا رئيس الليكود النائب بنيامين نتنياهو الذي بعث ببرقية إلى بوتين طلب إليه فيها التراجع عن قراره. وكتب نتنياهو يقول إن «حماس ليست فقط منظمة إرهابية مضرجة أياديها بدماء مواطنين أبرياء، بل هي خطت على علمها إبادة دولة إسرائيل».

وردا على الاحتجاجات الإسرائيلية ادعى الروس بأنهم لا يتراجعون عن الشروط التي وضعتها الرباعية وأنهم لن يفعلوا شيئا يعرض أمن إسرائيل للخطر.

وفي إسرائيل قالوا انه كان يتعين على روسيا أن تنتظر قبل إصدار الدعوة إلى أن تقبل حماس بالشروط. وقال مصدر سياسي كبير إن «هذا هو الأسلوب الروسي، قبل كل شيء يكسرون لك يدك وبعد ذلك يقدمون لك الجبس. الروس يمنحون حماس جائزة دون أن تتغير».

انتقد وزير الدفاع شاؤول موفاز دعوة وفد من حماس إلى موسكو واتهم روسيا بخلق «صدع في الوحدة الدولية ضد منظمة قتلت مئات الإسرائيليين وأصابت الآلاف».

موفاز، الذي وصل إلى اجتماع الناتو في صقلية التقى في حديث لاذع مع نائب رئيس الوزراء الروسي ووزير دفاعها سيرجي ايفانوف، الذي يعتبر اليد اليمنى للرئيس بوتين.

وفي اللقاء أعرب عن استياء إسرائيل من الخطوة التي اتخذتها روسيا وطلب من ايفانوف إعادة النظر فيها. وحسب موفاز فان «دعوة مندوبين من حماس تمنح شرعية لمنظمة ارهابية. لا يحتمل أن تدعو روسيا إلى التعاون ضد الإرهاب، وفي الوقت نفسه تفتح أبوابها أمام منظمة مثل حماس».

وفي أثناء الحديث اتفق موفاز ونظيره الروسي على أنه في هذه المرحلة ستؤخر روسيا نقل خمسين مدرعة إلى السلطة الفلسطينية. وذلك حتى تتضح الأمور.

في حديث استغرق ساعة طرح أيضا الموضوع الإيراني، وطلب موفاز من نظيره الروسي تأييد فرض العقوبات على إيران، قائلاً: «مشاركة روسيا مع الأسرة الدولية هامة وحرجة في هذا الوقت لوقف إيران في المستقبل». وتعقيبا على ذلك دعا إيفانوف موفاز لزيارة موسكو وإسماع مواقفه أمام قادة الحكم هناك.

كاتب فلسطيني